فإن هو دام على ذلك ، وأبصر ما مضى من طول غفلته عن اللّه عزّ وجلّ ، فصار ذكر رضى اللّه شعارا لزم قلبه ، يهيج من قلبه الذكر حين يعاتبهم أو يحسن إليهم ، قبل معاملتهم ومجاورتهم ، فإذا عاملهم أو جاورهم ، لم تزل المناجاة بقلبه إلى ربه ، فقلبه مشغول بمناجاة ربه ، وأحواله وجوارحه مشغولة بما يرضى ربه في خلقه ، فقد اجتمعت له ثلاث خصال :
إحداها : فرح الرضى الذي يهيّج من قلبه الرجاء لرضا ربه ، وليس بناس .
الخصلة الثانية : سلامته من الآثام في اشتغال قلبه بمناجاة ربه عزّ وجلّ .
الخصلة الثالثة : سلامته من الآثام التي كانت منه طول دهره ، في معاملتهم ومجاورتهم من غير ازدياد في دين ولا في دنيا .
فهذا المراقب لربه ، الخائف منه في سريرته ، والمؤثر لمحبته على محبة نفسه ، والمنقطع إلى اللّه سبحانه عن خلقه ، فظاهره ظاهر أهل الدنيا ، وباطنه باطن المجلين الهائبين للرب ، لأنه في ظاهر أحواله كأحواله الأولى التي كانت بالغفلة من قلبه .
فلما صرف قلبه إلى ربه اشتغل بذكر رضى ربه عن ذكر رضى خلقه ، فطاب في الدنيا عيشه ، وتطهر من آثامه ، وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم فيها ربهم ، عبيدا أذلاء لا يملكون ضرا ولا نفعا .
فآثر رضى ربه على رضاهم ، وسخت نفسه برضى اللّه عزّ وجلّ ، وإن سخط جميع خلقه ، يرضى اللّه تعالى بسخط كل أحد ، ولا يسخط اللّه تعالى برضى أحد من خلقه .
وملاك أمره في كل ذلك ترك الاستعجال ، ولزوم التأني والتثبت ، ليراقب الرقيب عليه ، ولا يعجل فيسخط عليه .
وسئل ابن المبارك فقال له الرجل : إني أعزم على الاجتهاد فأجتهد ثم أفتر ، ثم أعود فأجتهد ثم أفتر . فقال له ابن المبارك : « فأنت على اجتهادك ، لأنك تنوي الاجتهاد .
فإن فترت فأنت مثل شارب الخمر ، يشربها مرة ثم يمكث عشر سنين لا يشربها وهو ينوي شربها ، لم يكن مدمنا عليها ، فكيف يحسب اللّه ذلك في الشر ، ولا يحسبه في الخير ؟ » .
وقال : أسرع الأشياء إزالة لغلظ القلب ، وانكسارا له ذكر اطلاع اللّه عزّ وجلّ عليه بالتعظيم .
المسائل — صفحة 81
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٨١