واللّه للمماراة « 1 » أسرع في هدم العي من النار في يابس العرفج « 2 » ، ومن السيل إلى الجذور » .
وقال بعض الحكماء في هذا الحديث : قد عرف زيد أنّ المماراة مذمومة إلا أنها أقل ضررا من السكوت الذي يورث البلادة « 3 » ، ويختل « 4 » العقل ، ويورث عللا ، ويولد أدواء أيسرها العي .
فالإفراط في الصمت يضير إلا أن يسكت عن محرم ، أو ما لا يعرف من القول ، أو عن بعض الكلام في الخير إن غلب على قلبه فتنته ، وهجم التصنع له ، وقويت نوازع العجب به .
فإذا سلم الكلام من جميع الآفات سكت عنه أيضا ، إلا أن ينطق في موضعه وفي أوانه ، ولم ينتفع به ، وإلا فالصمت أولى به .
وقد نهت العلماء أن ينطق كثير من العلماء ببعض الحكمة إذا غلب عليه في النطق أسباب الفتنة ، ولو سلم المتكلم من الفتنة ومن كل الآفات ، ووجد لها موضعا وأهلا ، يأمل المنفعة لهم بقوله ، لكان مع ذلك أولى به أن يخاف المقت من اللّه عزّ وجلّ ، إذ كل شيء ليس يتحقق من قائله بفعله وأخلاقه وآدابه فهو ممقوت ، كما خاف عمر رضي اللّه عنه على الأحنف بن قيس « 5 » ، والربيع بن زياد « 6 » أن يكونا غير محققين لما يقولان وقال : « اللّه المستعان على ألسنة تصف ، وقلوب تعرف وأعمال تخالف » .
وقال جعفر بن برقان ، لميمون بن مهران « 7 » في قول اللّه تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ
هامش
( 1 ) وأراه مراء ومماراة : ناظره وجادله .
( 2 ) العرفج : شجر صغير سريع الاشتغال ( ج ) عرافج . الواحدة عرفجة .
( 3 ) البلادة : حرمان الذكاء والفطنة والمضاء في الأمور .
( 4 ) المخاتلة : المراوغة التي تصرف انتباهك عمّا تريد .
( 5 ) هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي المنقري التميمي ( 3 ق ه - 72 ه - 619 - 691 م ) أبو بحر ، سيد تميم ، وأحد العظماء الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين . يضرب به المثل في الحلم . ولد في البصرة وأدرك النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يره ، ووفد على عمر ، وشهد الفتوح في خراسان واعتزل الفتنة يوم الجمل ، ثم شهد صفين مع عليّ . وولي خراسان وكان صديقا لمصعب بن الزبير أمير العراق فوفد عليه بالكوفة فتوفي فيها وهو عنده . الأعلام 1 / 276 ، 277 ، وابن سعد 7 / 66 ، وابن خلكان 1 / 230 ، وتهذيب ابن عساكر 7 / 10
( 6 ) انظر ترجمته في الأعلام 3 / 14 .
( 7 ) هو ميمون بن مهران الرقي ( 37 - 117 ه - 657 - 735 م ) أبو أيوب ، فقيه من القضاة . كان مولى لامرأة بالكوفة وأعتقته . فنشأ فيها ، ثم استوطن الرقة فكان عالم الجزيرة وسيدها واستعمله عمر بن -