وأسرع الأشياء استثارة للخوف من قلب العارف ذكر سالف الذنوب ، مع ذكر الخشية من حلول الغضب عليه من أجلها .
وأسرع الأشياء إزالة للاشتغال بالدنيا عند المعاينة والمباشرة والاعتبار بها ، والنظر لما غاب من الآخرة .
وأسرع الأشياء هيجانا لتعظيم اللّه عزّ وجلّ تأمل الآيات والدلائل في التدابير المحكمة والصنعة المتقنة ، من السماء والأرض ، وما فيهما من دلائل باطنة ، وشواهد واضحة ، وأن الذي صيرها عظيم قدره ، نافذة مشيئته ، عزيز في سلطانه .
وأشد الأشياء إماتة للشهوات لزوم الأحزان للقلب .
وأكثر الأشياء نشاطا للقلب : الكمد « 1 » من بعد الحزن .
وأعون الأشياء على مخالفة النفس ترك الشهوات ، والشوق إلى جوار العزيز الكبير .
وأشد الأشياء إزالة للمكاثرات ، في علو الدرجات ، في منازل العبادات لزوم القلب محبة الرحمن عزّ وجلّ .
وأنعم الأشياء لقلوب العارفين ، وأدومها لها سرورا الشوق إلى قرب اللّه عزّ وجلّ ، واستماع كلامه ، والنظر إلى رحمة الكريم عزّ وجلّ .
وأطهر الأشياء لقلوب المريدين التوبة النصوح ، للعرض على ربّ العالمين ، وتلك طهارة المتقين ، ومن بعدها طهارة المحبين ، وهي قطع الاشتغال بشيء من الدنيا عن محبوبهم ، فإذا طهر القلب من كل شيء ، سوى اللّه عزّ وجلّ ، خلا من ذكر كل قاطع عن اللّه ، وزال عنه كل حاجب يحجبه عنه ، فتم باللّه سروره ، وصفا ذكره في قلبه ، فاستنار له سبيل الاعتبار ، فكانت الدنيا وأهلها عينا ينظر بها إلى ستر ما يحجب عن الملكوت « 2 » .
فحينئذ دام باللّه شغله ، وطال إليه حنينه ، وقرت باللّه عينه ، فالحزن والكمد كسرا قلبه ، والمحبة والشوق قد أسخطا قلبه على الدنيا ، فشوقه إلى طلب القرب ، وحزنه لفوات المحبة خشية أن يحال بينه وبينها .
ومن رسالة لكلثوم بن عمر .
هامش
( 1 ) الكمد : الحزن المكتوم ، والحزن الشديد .
( 2 ) الملكوت : الملك العظيم ، أو العز والسلطان .