أما بعد ، فإني أكتب إليك ، والناس في فتنة وبحر ، قد عمى على الذي توجه فيه مذهبه فيما كان فيه من غفلة ، على قلة المؤنسين على طريق الطاعة .
قد كان يقال : إنّ المغبون من غبن دينه ، فلا تغبن دينك ، واعلم أنّ الاحتراس من الناس عقل حاضر ، فاحترس ممن سلك طريق الجهل ، فإنك تقيم عليه معهم ، وإياك ومخالطتهم ، فإنك تندم ، والعزلة شرف وزين ، والاختلاط بالناس عار وشين ، يلزمك منهم كل تبعة .
فاعقل ما أنت فيه من مذهبك ، وانظر لنفسك نظر العاقل اللبيب ، ولا تكن عنها غافلا فتكون غير أديب .
وحاسبها في كل يوم ، تسلك بها طريق النجاة ، يوم تحتاج إلى القرب من دار الفائزين ، وتخلّص ما قدرت من الدخول في الرضى بما يأتيك من أخبار المفسدين ، فإنّ الرضى ذلك ليس من طريق أهل الدين .
وإن كانت نفسك تنازعك إلى محادثة الإخوان ، ومنادمة الخلان ، فاحترز منهم فإنهم يظهرون ودا ، ويبطنون شرا .
وهكذا كل من كانت مؤاخاته على غير التقوى ، فلا تأمن شرهم أبدا .
وهب اللّه لنا ولك السلامة ، وغفر لنا ولك يوم العرض والحساب .
الصّمت والكلام في الوعظ والبلاغة
قلت : الصمت أفضل أم الكلام ؟
قال : الصمت أسلم ، والكلام أفضل عند اللّه تعالى ، إذا أريد به وجهه ، وقصد به مع الإصابة أن يكلم كل قوم على قدر فهمهم ، ولغة ألسنتهم ، ولا يفرط أيضا في الصمت ، كما لا يفرط أيضا في الكلام .
إلا أنه إذا أفرط في الصمت ضيع كثيرا من حقوق اللّه تعالى أن يقوم بها بلسانه .
ويعتري من الإفراط آفات كثيرة ، قال عبد اللّه بن الحسين : قلت لزيد بن عليّ :
الصمت خير أم الكلام ؟ قال : « أخزى اللّه السكتة ، فما أفسدها للسان ، وأجلبها للضجر « 1 » .
هامش
( 1 ) الضّجر : الفلق من الغم .