تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
والدليل على الأمن صلابة القلب ، وتجلده على وعيد اللّه عزّ وجلّ ، وتلك هي القسوة ، فهي عقوبة الأمن ، وكذلك قال اللّه عزّ وجلّ :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] . قيل في التفسير : أخبر أنّ الحجارة على صلابتها تتفجر وتتشقق ، وتسقط خوفا منه ، والآمن القاسي قلبه أصلب منها ، وعلى وعيد اللّه لا ينكسر ولا يخاف ، مقيم على ما يكره مضيع لما أحب . وأما الغرة فالدليل عليها تمنى المغفرة ، وطيب النفس بها ، وسرورها فيما يظن أنه حسن ظن باللّه تعالى ، ورجاء له ، مع المقام على المعصية ، وتلك الغرة لا الرجاء . لأنه من وضع الرجاء في غير موضعه فهو مغتر ، لأنّ اللّه تعالى رجّا التائبين ألا يقنطوا أو لا يعصوا ، أو ليعلموا أنه غفور رحيم ، ورجا العالمين ألا يمسكوا عن العمل لما كان من تفريطهم ، فقال :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] . فروى البراء في تفسيرها : أنّ العبد كان يصيب الذنب العظيم فيقول : قد هلكت ، فيمسك عن النفقة في سبيل اللّه ، فنهاه اللّه سبحانه وتعالى عن القنوط ، وأمره بالتقرب إليه بالعمل ، وقال :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
[ الكهف : 110 ] . قيل في التفسير : يرجو ثواب ربه . فأمر أن يستعمل الرجاء في ثلاثة مواضع : أحدها : ألا نقنط بعدما أصبنا الذنوب ، فنمسك عن التوبة . فنتوب إليه رجاء أن يقبلنا كما رجانا ، فإن عارضنا القنوط رجينا أنفسنا مغفرته ، لقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
[ طه : 82 ] . حتى تسخو أنفسنا بالتوبة . وأما الموضع الثاني : فهو أن نذكر ما كان منا من الذنوب ، فنمسك عن العمل الصالح خوف ألا نقبل ، فأمرنا ألا نقنط ، فإن أبت أنفسنا رجيناها القبول حتى تسخو بالرجاء ، فأمرنا بالرجاء في هذين الموضعين . وأما الموضع الثالث : فالرجاء الذي يبعثنا على العمل الصالح ، فإن استثقلت أنفسنا العمل الصالح ، رجيناها كريم الثواب من اللّه عزّ وجلّ ، وجزيل عطائه ، حتى يخف علينا العمل ، لأنّ كثير العطاء هو الذي خفف على العمال أعمالهم ، وكذلك قال عزّ وجلّ :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
[ البقرة : 218 ] .