وقيل للحسن البصري : قوم يقولون : نرجو ويضيعون العمل ، قال : « هيهات « 1 » تلك أمانيهم يترجحون فيها . من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه » . وروي مثله عن مسلم بن يسار « 2 » .
فأمرنا بالخوف عند المعصية ، وعند تضييع واجب حقه ، فعلينا أن نخوف أنفسنا من سخطه ، وأليم عقابه ، حتى نذعن بترك الذنوب ، وأداء واجب الحق .
فمن وضع الخوف حيث وضعه اللّه عزّ وجلّ ، والرجاء حيث وضعه ، فلم يقنط ولم يغتر فقد تأدب بأدب اللّه تعالى .
وأما المغتر فقد استعمل الرجاء حيث أمره اللّه تعالى أن يستعمل الخوف ، فعصى اللّه وأساء وطيب نفسه بذكر مغفرة اللّه عزّ وجلّ وتفضله ، فأقام على المعصية ، وتمنى المغفرة ، فكان أولى به أن يخوف نفسه ، كما ندبه اللّه عزّ وجلّ .
فإن خاف وأراد أن يقلع ، ثم عارضه القنوط ألا يقبل منه التوبة ، رجا نفسه حتى تسخو بالتوبة . فحينئذ وضع الخوف موضعه ، ووضع الرجاء موضعه ، كما أمره اللّه تعالى .
والمغتر حوله عن موضعه ، فوضع الرجاء موضع الخوف ، وظنّ أنّ ذلك حسن ظن باللّه ، وتلك الغرة . ولذلك روي عن وهب بن منبه « 3 » قال : « حسن الظن باللّه ما جانب الغرة » . وروي عن لقمان أنه قال لولده : « يا بني ، إياك والغرّة باللّه تعالى أن تضيع أمره ، وتتمنى مغفرته » .
ولذلك مثل بيّن . لو أنّ رجلا وعدك إن جئته اليوم أعطاك ألف درهم « 4 » ، وإن أخرت المجيء إلى غد عاقبك وحسبك ، فقلت في نفسك : هو كريم الخلق ، أؤخر
هامش
( 1 ) هيهات وهيهات : اسم فعل بمعنى بعد . نحو : هيهات ما تريد ، أو هيهات لما تريد .
( 2 ) هو مسلم بن يسار الأموي بالولاء ( توفي 108 ه - 726 م ) أبو عبد اللّه ، فقيه ، ناسك من رجال الحديث . أصله من مكة . سكن البصرة ، فكان مفتيها . وتوفي فيها . الأعلام 7 / 223 ، وتهذيب التهذيب 10 / 140 ، وحلية 2 / 290 .
( 3 ) هو وهب بن منبه الأنباري الصنعاني الذماري ( 34 - 114 ه - 654 - 732 م ) أبو عبد اللّه مؤرخ ، كثير الإخبار عن الكتب القديمة ، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات يعد في التابعين . ولد ومات بصنعاء ، وولاه عمر بن عبد العزيز قضاءها . له من الكتب « ذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم » ، وله « قصص الأنبياء » و « قصص الأخبار » . الأعلام 8 / 125 ، 126 ، وشذرات الذهب 1 / 150 ، وابن سعد 5 / 395 ، وحلية 4 / 23 ، والوفيات 2 / 180 .
( 4 ) الدّرهم ( مع ) فارسية : الفضة المطبوعة المتعامل بها ، أو هي وحدة للوزن قديمة تعادل في مصر ( 12 ، 3 ) غراما ، وفي دمشق ( 2 ، 3 ) غراما وأطلقها المولدون على النقود كافة ( ج ) دراهم .