ويثبت عند مواقف التخويف والتحزين والتشويق ، ليحظى بذلك عندهم ، ويخف على قلوبهم ، غافلا في ذلك عن نفسه ، كأنه آمن لا يحتاج إلى الخوف ، قد أتاه الأمن من اللّه عزّ وجلّ ، وقد فرغ من أمان نفسه ، فهو يخوف غيره ويحزنه ، كأنه لا يحتاج إلى ذلك ، وهو أحوجهم ولم يعقل .
وأعظم منه غفلة ، وأشد فتنة إذا جعلوه بين أيديهم ، وهو المخلف خلفهم في سوء همته ، متعرضا للمقت على ذلك من ربه ، ولعل بعضهم مع ذلك ينتفع . إما بعزم يحدثه على توبة وعمل صالح فيما يستقبل ، أو توجع في مقامه ذلك وخوف .
فهو يطلب نجاة غيره بهلاكه ، ويخوفهم بما يزيده عند اللّه عزّ وجلّ غدا خوفا في مقامه ومحشره ، لأنّ همته في غير اللّه ، وقصده إلى سواه ، يخوف من خلفه بقراءته ، وهو آمن من مقت اللّه عزّ وجلّ بسوء همته ، فمن سمع بأعجب ممن يخوف بالأمن ، ويشوق باللهو عما يشوق إليه ؟
وأعظم من ذلك وأعجب أنه يخوفهم بالتعرض لأن يحق له من اللّه سبحانه ما يخوفهم به من العذاب ، ويشوقهم بما يتعرض له - بتشويقه إياهم - من الحرمان مما يشوقهم إليه من جواره .
وأعظم من ذلك بلية ، وأشد فتنة من حاول هذا المقام في طلب عظيم المنزلة عندهم ، وشرف الحمد منهم ، أن يحزن ويرجع بتلاوته ليستدلوا على أنه من الخائفين المحزونين ، ومن الراغبين المشتاقين ، وليس ذلك عنده كذلك فيما يوهمهم إياه من نفسه ، ولم يكن له إلا نفس همته ، وأنه منسلخ من الحزن والخوف .
فإذا كانت همته أن يوهمهم بتحزينه وتخويفه أنه خائف لربه ، مخزون لآخرته ، وكان بهمته هذه آمنا ، فكيف يأمن نفسه في أحواله قبل دخوله في صلاته .
وكذلك همته في تشويقه ، لزوال الرغبة إلى اللّه أن يعطيه ما يشوقهم إليه . فهو يتحبب إليهم بما يتبغض به إلى ربه ، ويتقرب إليهم بما يتباعد به منه ، ويتحظى عندهم بالتعرض للسقوط من عينه .
ولو تطلعوا على همته لمقتوه عليها ، فكيف بمن اطلع عليها ، وكيف أمنه أن يمقته على سوء ضميره ، وألا يرحمه ولا يجيب دعاءه .
وكيف يأمن مع ذلك أن يهتك اللّه ستره عندهم ، ويفضحه لما بدا من سوء سريرته وأدنى ذلك إن لم يفضحه بعيب يظهر منه عندهم ، أن يثقله على قلوبهم ، من أجل
المسائل — صفحة 66
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٦٦