تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وإبراهيم النخعي دخل عليه رجل فأطبق المصحف وقال : لئلا يرى الداخل أننا نقرأ كل يوم ، فقد دارى قلبه خشية التصنع . وقد دخل رجل على عامر وهو يقرأ في المصحف ، فقال : « فاتني جزئي من الليل فقرأته » . وما زال المسلمون يقرؤون في مصاحفهم ومساجدهم ، وإنما ذلك على قدر الضعف والقوة ، إلا ما كان خلاف زي من مضى ، فلا يجوز لعبد أن يضطر إليه . فأما أخذه للتزين فلا ، وذلك كالرجل لا يجد ما يستر به عورته إلا بمسح أو جلد . ومن ذلك أنّ أبا موسى قيل له : إنّ قوما يتخلفون عن الجمع من ثيابهم ، يعنون دناءتها ، فلبس قطيفة « 1 » ، ثم خرج وخطب الناس فيها ، وصلى بهم الجمعة .

من أمّ « 2 » قوما فألزم قلبه الحذر

قلت : فما تقول في الرجل يؤم القوم فيما يجهر به ، فيلزم قلبه الحذر أن يخطئ في قراءته ، أو يلحن « 3 » فيها ماذا له ، وماذا عليه ؟ قال : ذلك على وجوه ، فمنها ما هو له ، ومنها ما هو عليه . فأما الذي له ، فهو أن يغلب على قلبه حبّ إكمال صلاته ، وتمام قراءته ، وتلاوة كتاب ربه على ما أنزله ، لا يقارن ذلك خطأ ولا لحن ، إذا علم أن ذلك محبة لربه ، فيغلب على قلبه الرغبة في ذلك ، والحذر من التقصير عنه ، ليؤدي فرضه كاملا ، ويسمع اللّه تعالى منه تلاوة كتابه كما يحب أن يتلوه عباده ، إذا قاموا بين يديه لأداء فروضهم ، أو يتلوه في غير صلاته ، فذلك مأجور على حذره ، ويثاب على قدر همته ونيته . وأعظم مقاما من ذلك ، وأجزل ثوابا من نوى مع حذره من الخطأ في تلاوة كلام ربه واللحن فيه : أن يكون مناجيا لربه ، بلسانه وقلبه ، يفهم ما يتلو ، ويعقل عن اللّه تعالى ما يقول ، فهو مع حذره للخطأ واللحن ، مهتم بالفهم عن اللّه تعالى فيما يتلو ، عالم بين يدي من هو ، ومن يناجي ، ورضي من يطلب في مقامه ومناجاته .
هامش
( 1 ) القطيفة : كساء له خمل . و - : دثار مخمل . و - : نسيج من الحرير أو القطن صفيق أو بر ، تتخذ منه ثياب وفرش ( ج ) قطف وقطائف . ( 2 ) أمّ بهم إمامة : صار إمامهم ، أو تقدمهم . ( 3 ) لحن القارئ في القراءة والمتكلم في كلامه لحنا : أخطأ في الإعراب ، وخالف وجه الصواب في اللغة .