ما عنده ، والتبجيل والتعظيم لجلاله ، فانصرف بوجه ينكره من نظر إليه من إشراقه ، مع انكسار قد شابه .
وإن ذلك لموجود في فطرنا ، فإن أحدنا ليدخل على بعض الملوك ، أو بعض من يطمع فيه ، ويخاف منه ، فيقوم بين يديه غير القيام الذي كان فيه قبل أن يدخل عليه ، ويخرج من عنده بغير الوجه الذي دخل به ، فكيف بربّ العالمين ، القديم الذي لم يزل ولا يزال ، والذي ليس كمثله شيء كان ولا يكون .
وأما الذي عليه ، فهو أن يغلب على قلبه خوف مذمة من خلفه ، إن أخطأ أو لحن ، والرغبة في معرفتهم إياه بالحفظ ، وحسن التلاوة ، وليعرفوا أنه قد قرأ على الرجال ، وأنه حافظ للقرآن .
وقد تصيبه هذه الفتنة في صلاته ، وقد تصيبه قبلها العلة ، فيظل بعض نهاره أو ليله يتلو السورة التي يريد قراءتها ، ويتعاهد خطأها ، خوف أن يتلوها في صلاته بين أيديهم ، وليس عهده بتلاوتها قريبا مستعدا لهم بالحذر والتلاوة ، قبل أن يدخل في صلاته ، لا يريد بذلك وجه اللّه عزّ وجلّ ، ولا يخطر بباله إلا مخافة تخطئتهم إياه ، والحذر من ذلك ومن ذمهم حتى يدخل في صلاته على ذلك .
فإن أجاد القراءة ، وحفظ مواضع ما كان يخشى من الخطأ واللحن استبشر لغير التقرب إلى اللّه عزّ وجلّ بذلك ، وإن أخطأ أو لحن ، حزن لذلك ، واغتم لغير مخافة نقص فيما بينه وبين ربه من فضل التالين لكلام ربهم ، كما يحب منهم .
فكفى بذلك بلية ، إذ صار عامة فرحه وحزنه في صلاته لغير طلب رضى ربه ، عزّ وجلّ وهو مع ذلك مشتغل بالحزن والفرح ، بعيدا عن فهم ما يتلو من كلام ربه ، وعن أن يؤدي فرضه بحضور عقله ، فليس بمأجور على ما تلا قبل صلاته ، إذ كان لم يتله بخشية ولا إرادة للّه عزّ وجلّ ، ولا لثواب التلاوة .
وأما فرضه فهو مجزىء عنه ، غير أنه مقصر في تلاوة كتاب ربه ، كما أنزله مولاه ، وكما يحب أن يسمعه منه .
وأعظم من ذلك فتنة ، أنه متهم قبل أن يدخل في صلاته ، معتقد لأي سورة يقرؤها مما فيها التخويف الذي يستثير الشجو والأحزان ، مما به يكون صلاح قلبه ، ولا يهيج الخوف والحزن للّه عزّ وجلّ من قلبه ، ولكن ليحظى بذلك عندهم ، ويخف على قلوبهم ، ويشتهوا الصلاة خلفه ، فيدخلها بهذه الهمة ، ثم يقرأ السورة التي قد أعدها ، فيحزّن صوته
المسائل — صفحة 65
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٦٥