وأعظم منه منزلة ، من قرن بهذه الهمة عظيم الرغبة ، وحسن الظن ، وهيجان الرغبة والأمل أن يرضى اللّه عنه في مقامه ، ويقبله على ما كان منه ، ويحوله عما هو مقيم عليه ، ويطهره مما يتدنس به ، راجيا لذلك ، متعلقا به وبما عند ربه ، يترضاه ويتملقه « 1 » ، ويتبصبص « 2 » به ، متوقعا منه في كل طرفة عين وأقل من ذلك أن ينظر إليه بالرضى والمحبة .
وقد ألزم قلبه مع ذلك هيجان الخوف ، وحركة الحذر ، والتهاب الإشفاق ، وانكسار الزهد ، والوجل لما قد مضى من سالف ذنوبه ، ولما هو مقيم عليه لم يتزحزح عنه .
فهو قائم بين يديه بلا طهارة ولا إعذار فيما وجب عليه ، وهو خائف مشفق من مقت ربه ، وجل راهب فزع فرق أن ينظر إليه بالبغضة ، وأن يلقاه بالمقت والسخط « 3 » ، فلا يرحم مقامه ، ولا يجيب دعوته ، ولا يغيث تضرعه ، ويحجب عنه صوته ، ولا يقبل صلاته ، إذ كان لجميع ذلك مستحقا من ربه .
فالخوف والرجاء قد غلبا على قلبه ، مع شدة تيقظه وفهمه لما يتلو من كلام ربه .
فتارة يكاد قلبه أن يطير فرحا ، لما هاج من الأمل والرجاء أن ينظر إليه مولاه وسيده بالرضى والحظوة .
وتارة يكاد أن يذوب قلبه غمّا « 4 » ، ويطير قلبه فزعا ورعبا عند هيجان المخافة والحذر ، والإشفاق والرهبة من نظر المولى إليه بالمقت والبغضة ، فينصرف بالإياس والخيبة .
فهو بين هاتين الحالتين يتردد ، ولمعاني كلام ربهم يفهم ، لما يغلب على قلبه في أكثر أحواله في صلاته ، من إجلال من قام بين يديه ، وتعظيم من قصد إليه ، ومحبة من منّ عليه بمناجاته ، فذلك دأبه « 5 » حتى ينصرف من صلاته .
فإذا انفتل منها كان وجهه غير الوجه الذي دخل به ، في هيأته وسحنته « 6 » ، لأنه لم يزل يلح على قلبه بالفهم عن ربه ، بالرجاء والوجل والإشفاق منه ، والرجاء والطمع إلى
هامش
( 1 ) تملّقه وتملّق له : تودّد إليه وتلطف له ، وتضرّع فوق ما ينبغي .
( 2 ) تبصّص : تملّق .
( 3 ) المقت : أشد البغض . السّخط : ضد الرّضى .
( 4 ) الغمّ : الكرب والحزن ( ج ) غموم .
( 5 ) الدّأب : الجد والتعب . و - : العادة والشأن والملازمة .
( 6 ) السّحنة : الهيئة واللون .