السلام يسدلون أرجلهم من جانب واحد ، فاللباس ليس بشهرة ، والقائم بذلك ما شهر نفسه ، ولكنه تمسك بزيّ من مضى وأفعالهم ، وفعالهم ليست شهرة ، وإنما هو تقييد واتباع .
وإنما يراد من العبد صحة إرادته للّه تعالى في ذلك ، وفعاله تلك على صحة الأسباب .
وقال قوم : ليست الشهرة على قدر الأزمنة ، ولا على قدر اللباس ، لأنّ عامة الشهرة في زماننا قد فعلها أهل الدين ، وإنما هي على قدر الرجال في أنفسهم . وإنما شهر اللباس الرجال على قدر ذلك .
لأنه لو تنسك « 1 » بعض الملوك ، ثم لبس زيّ المساكين من الصوف وغيره لاستنكرته العامة ، وشهرته بالحديث والذكر ، لأنه خلاف زيه ، وزيّ أهل بيته ، ولأنه قد لبس ذلك اللباس من العوام والحمالين وغيرهم ولم تشهره العامة ، ولم تستنكره . وقد روي عن بعض ولدان عمر أنه لبس ثوبا فقال له ابن عمر : « ما عليك أنت فهو شهرة » .
وكذلك كل من عرف بزيّ من زيّ الأغنياء فغيّر زيه إلى التقشف « 2 » ، كمن عرف بلبس المروي فانتقل إلى الصوف ، فاستنكرته العامة على قدره حتى أنه ليشار إليه بالأصابع ، وهذا تكثر فيه الأحاديث .
وكل من عرف بلباس من الصوف الذي قد لبسته العامة ، فانتقل إلى المشهور منه ، كالعباء « 3 » المخطط ، والشمل « 4 » والبرود « 5 » ، وزيّ الأعراب ، ألا ترى أنّ الأعراب لا يستنكر ذلك منهم ، لأنه زيهم الذي يعرفون به ، ويستنكر من غيرهم ؟ فذلك دليل على أن الشهرة على أقدار الناس ، لأنّ الشهرة إنما يسمونها هذا الاسم لاستنكار الناس لها ، فصارت عندهم شهرة .
وكذلك إنّ لبس لباس الملاحين استنكر ذلك منه ، ولا يستنكر من الملاحين ، فإنما هو على أقدار الناس ، فإذا انتقلوا عما يعرفون به في زيّ أو فعل مما يستنكره العامة كان شهرة .
هامش
( 1 ) تنسّك الرجل : تزهّد وتعبّد .
( 2 ) تقشّف الرجل : ترك التّرفه والتّنعّم .
( 3 ) العباءة : كساء واسع بلا كمّين مشقوق من قّدام يلبس فوق الثياب .
( 4 ) الشمل : أثواب يشتمل بها .
( 5 ) البرود : ( ج ) البرد : ثوب مخطط أو موشّى يلتحف به .