وقال قوم : ليس هو على قدر الأزمنة ، ولا على أقدار الناس ، لأنّ على الناس الاتباع . وقد كان الصوف وغيره لباس من مضى ، وقد كان الرجل إذا تنسك انتقل عن زيه إلى زيّ النساك .
فمن جعله على أقدار الناس لم يأمن من تنسك أن ينزع الوشي « 1 » والخزّ « 2 » ، لأنه قد عرف به ، ولا ركوب المراكب ، وما أشبه ذلك .
وأما تنعمه بالدنيا ، والتكثر فيها فما زال الناس يتقللون إذا تابوا وأرادوا الزهد ، في زيهم وأحوالهم إلى حال التقشف في اللباس وغيره ، إما حراما فينتقلون عنه ، أو يأخذون القليل منه ويرفضون الرفيع من الزيّ واللباس ، إن لم يمكنهم أخذه مما يحلّ ، فيدعونه ويأخذون في الأقل ، من المباح ، أو يزهدون في الدنيا ، ويدعون الرفيع من اللباس ، ويقتصرون على الأقل ، ويقدمون ما فضل منهم ليوم المعاد .
وإنما أريد من العبادة قوة قلوبهم في ذلك .
فإذا صحّ العزم من العبد انتقل من رفعة الدنيا إلى ضعتها ، في زيه أو غيره ورعا أو زهدا ، على المنهاج والسبيل ، وإن استنكر الناس حاله ؛ لأنه إنما يستنكره الجهال المنهمكون في المعاصي ، وقد يرون غيره من الزيّ الذي لا يجوز من السواد وغيره فلا يستنكرونه ، وإنما يستنكرون منه خلاف حاله التي كانوا بها يعرفونه .
وليس على المؤمن أن يتتبع ما يستحسن الناس ولا يستنكرون ، ولكن يلزمه الاتباع لمن مضى ، ويتتبع من اللباس والزي ما هو أصلح لقلبه ، وأرفق به ، في عيشه ودينه ، ويلهو عن الناس ، ويعامل اللّه عزّ وجلّ وحده .
ألا ترى قول الحسن البصري « 3 » : « بحسب امرئ من الشرّ أن يشار إليه بالأصابع في دينه أو دنياه » : قيل : يا أبا سعيد ، إنّ الناس إذا رأوك يشيرون إليك بالأصابع ، قال :
هامش
( 1 ) الوشي : نوع من الثياب الموشية .
( 2 ) الخزّ : ما ينسج من الصوف والحرير ، أو من الحرير وحده ( ج ) خزوز .
( 3 ) هو الحسن بن يسار البصري ( 21 - 110 ه - 642 - 728 م ) أبو سعيد ، تابعي ، كان إمام أهل البصرة ، وحبر الأمة في زمنه ، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك . ولد بالمدينة وشبّ في كنف علي بن أبي طالب ، واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية وسكن البصرة ، وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم ، لا يخاف في الحق لومة ، وله مع الحجاج بن يوسف مواقف . وقد سلم من أذاه . له كلمات سائرة وكتاب في « فضائل مكة » . توفي بالبصرة . ( الأعلام 2 / 226 ، 227 ؛ وميزان الاعتدال 1 / 254 ؛ وحلية 2 / 131 ) .