تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
ولم تحرم الشهرة ، ولو كانت محرمة لدخل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في التحريم ، لأنهم قد لبسوا البرانس وغير ذلك . ولقد كان قوم يفعلون أشياء مما هو شهرة عند العوام لطلب رفق في دينهم أو دنياهم . ومن ذلك أنّ الأعمش « 1 » كان يقلب فروه ويخرج صوفه إلى خارج ، لأنّ ذلك كان أرفق بثيابه ، وقد وضع يوسف بن أسباط الجورب على رأسه ، وأمثال ذلك كثير . فمن قوي قلبه فليأخذ الأشياء على قدر المنافع ، ولا يخرج عن اتباع من قد مضى ، ولا يريد الشهرة ، ولا يأخذ الشيء لغير منفعة ، كقوم ركبوا القضب ، ووضعوا القواصر على رؤوسهم ، من غير اضطرار ولا منفعة ، وحلق بعضهم لحيته ، فهذا لا يجوز له وإن قوي قلبه ، لسوء إرادته ، ومخالفته لمن مضى . وكذا لباس الشعر إلا لضرورة ، إذ لا يجد ما يستر به عورته ، أما أن يتعدى خلاف لباس من مضى فلا يجوز له . والذي اختار من ذلك : أن يتتبع العبد من مضى ولا يخالفه ، ويأخذ الأشياء بعد على قدر مصالح دينه ودنياه ، وإن اجتنبت ما لا يلبسه إلا من يلبس على دين الإسلام فهذا أحب إلى من طلب السلامة من العامة ، وإن فعله لمصلحة دين أو دنيا فجائز غير محرم . وقد كره الناس شهرا كثيرة لغير تحريم ، ولكن إشفاقا على الضعفاء ، ووجدنا الأقوياء يفعلون ذلك . وأعظم منه الذين كرهوا ذلك خاصة ، ومنهم الحسن البصريّ ، قال : إن كان أحدهم ليمر بالأذى فلا يرفعه مخافة الشهرة . والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو العباد إلى ذلك فيقول : « من الصدقة إماطة الأذى عن الطريق » « 2 » . وقال : « الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق » « 3 » .
هامش
( 1 ) هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء ( 61 - 148 ه - 681 - 765 م ) أبو محمد ، الملقب بالأعمش تابعي ، مشهور . أصله من بلاد الريّ ، ومنشأه ووفاته في الكوفة ، كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض . يروي نحو 1300 حديث . الأعلام 3 / 135 ، وابن سعد 6 / 238 ، والوفيات 1 / 213 ، وتاريخ بغداد 9 / 3 . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل 2 / 316 ، 329 ، 350 ؛ 4 / 423 ؛ 5 / 178 ، والبخاري ( مظالم 24 ) ، ( جهاد 128 ) ، وأبو داود ( تطوّع 12 ) ، والترمذي ( برّ 36 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 2614 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 414 ، 445 ) ، والألباني في -