تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
« يقولون ماذا ؟ » قالوا : يقولون : هذا الحسن رجل صالح . قال : « الحمد للّه الذي أظهر الجميل ، وستر القبيح ، إنما أريد بذلك البدع في الدين ، أو الفسوق في الدنيا » . فأخذ أنّ الشهرة ليست هي ما هو أفضل وأصلح . وقال قوم : إنما الشهرة على من أرادها وأخذها لغير معنى وعذر ، ولكن ليبين بها عن العامة ، وليشهروه بها طعنّا عليهم ، ومخالفة لهم ، أو ليشهروه إذا ذكر . فأما من أخذها لمنفعة دين أو دنيا ، فليس عليه شهرة . وليست من شهرة عند العوام ، إلا وقد يفعلها بعض الناس ولا يشتهرون . فقد ترتفع المساكن بعضها على بعض ، فلا تشهره العامة بذلك ، وقد يلبس الأعراب الزيّ الشنيع « 1 » فلا يشتهرون بذلك ، أو يلبس أهل الصناعات الجبب السود وسائر الألوان ، وكذلك الملاحون وأصحاب الحمامات وغيرهم ، فلا يشهرون بذلك ، ولو كان ذلك محرما في عينه لحرم على هؤلاء جميعا . ولكن من أخذ الشيء لغير سبب منفعة ، ولكن يريد به الشهرة ، ومباينة العامة ، فهو المشهور ، كالرقاع على غير خرق ، وتتبع الشنيع من الصوف ، فهذه الشهرة بعينها ممن أرادها وقصدها ، وأما سواهم من الناس فليست فعالهم شهرة . وقال قوم : إنما كرهت الشهرة خوفا من أن تفسد القلوب بها فيتصنع أو يعجب ، أو يتكبر أو يترأس ، فإنّ الشهرة على قدر ضعف القلب وقوته . ومن ذلك ما يروى عن سعيد بن المسيب « 2 » أنّ سائلا سأله عن اللباس فقال له سعيد : « نق قلبك والبس ما شئت » . فمن قوي على أخذ شيء من الزيّ وغيره ، يريد به رفقا في دنياه ، أو مصلحة لقلبه ، أو اتعاظا للعامة ، أو مباينة للفاسقين ، أو للسلطان ، أو للفقراء المخادعين ، ثم قوي قلبه على ذلك ، فعامل اللّه وحده ، فليس ذلك منه شهرة .
هامش
( 1 ) الشنيع : أي : قبيح كريه . ( 2 ) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي ( 13 - 94 ه - 634 - 713 م ) أبو محمد ، سيد التابعين ، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع ، وكان يعيش من التجارة بالزيت ، لا يأخذ عطاء . وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته ، حتى سمي راوية عمر . توفي بالمدينة . الأعلام 3 / 102 ، وطبقات ابن سعد 5 / 88 ، والوفيلت 1 / 206 ، وصفة الصفوة 2 / 44 ، وحلية 2 / 161 .
المسائل — صفحة 60 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور