شهوته للّه تلذذ به ما صحب الدنيا إذا ذكر أنه تركها للّه ، وأنه يرجو أن يكون قد رضي عنه .
ودوام عزّ الوثيقة في القلب أكثر من لذة الشهوة ، لأنه يلتذ بموافقته في وقت شهوته ، فإذا غفل عن ترك شهوته اهتم أيام حياته ، إذ كان لا يأمن أن يكون اللّه تعالى قد سخط عليه بذلك .
الشهرة
قلت : ما الشهرة ؟
قال : هي فعل أو زيّ يبين به فاعله عن العوام في فعلهم وزيّهم ، فتلك هي الشهرة ، وذلك كاللباس يلبسه العبد خلاف زيّ العوام ، أو كركوب المركب ، أو زيّ المركب ، أو التكلف للزيّ في بدنه ، كحلقة الشعر أو ترفيعه أو تطويله ، وكذلك في إظهار الذكر بجهر الصوت ، أو عظة العوام ، وما أشبه ذلك مما يبين به فاعله عن العوام .
ثم اختلف الناس فيما نهى عنه من الشهرة ، وما كره منها .
فقال قوم : من فعل ما حرم اللّه عليه من زيّ أو غيره ، كلبس الحرير والديباج « 1 » ، أو لبس الذهب ، أو تطويل الشعر بغير فرق خلاف السنة ، أو تطويل الشاربين ، أو ما أشبه ذلك مما نهي عنه في كتاب أو سنّة ، لأن كل ما لم ينه عنه في كتاب أو سنة فمباح حلال طلق ، واللّه ورسوله لا يحظران المباح للعباد بعد إباحته إلا بالنسخ بالنهي ، فيدخل في باب النهي لا مع باب الإباحة ، وما سوى ذلك فمباح من لبس الصوف ، أو الركوب على غير ما يركب العوام .
وقال قوم : الشهرة ما نهى عنه من الفعل ، وإن كان المفعول ليس بمحرم . ومن ذلك تشبّه الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال في زيّهم وركوبهم ؛ لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال . والمتشبهين بالنساء من الرجال وقال : « أخرجوهم من بيوتكم » « 2 » .
هامش
( 1 ) الديباج : نسيج من الحرير ملوّن ألوانا ( ج ) ديابيج ودبابيج .
( 2 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 7 / 205 ) ، وأبو داود في ( السنن 4929 ، 4930 ) ، وابن ماجة في ( السنن 2614 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 226 ، 227 ، 237 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 8 / 224 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 4428 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 6 / 273 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 9 / 63 ) .