تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وإن استوت السريرة والعلانية ، فذلك العدل في فعل العبد . فإذا زادت السريرة على العلانية ، فذلك منة وفضل ، وعظم درجة في الطاعة ، وشرف مقام . ولولا أن الآثار جاءت بفضل السر على العلانية ، وأنّ النفس والعدو ينازعان إلى طلب حمد المخلوقين ، وخوف مذمتهم ، وأنّ العبد لا يجوز أن يأنس بالمخلوقين كأنسه بالصلاة ، ما كان ينبغي له أن يكون في علانيته مثله في سريرته ، حتى يبدي إذا حضروه مثل ما يخفي إذا حضروه . فهم في نظرهم إلى عمله وزوال النظر منهم واحد ، ولا يوجب نظرهم خيرا في دين ولا في دنيا ، لأنهم كالبهائم في نظره ، من جهة المنفعة له في دنياه وفي آخرته ، إذ لا يملكون نفعا ولا ضرا . ولكن جاءت الآثار بفضل السر ، وهو أحرز العملين ، وأبعد من قوة الخاطر . والعامل المحبّ للّه تعالى ينقبض عن الخلق ، ولا يأنس بهم ، ويأنس بالخالق ، فيبدي كل ما عنده إليه . وقال : ثلاث خلال يرثها التارك محبوباته للّه عزّ وجلّ ، خوفا مما يباعده منه : إحداها : أن يألف في العمل حلاوة الآمال في اللّه عزّ وجلّ ، أن يطلع بالرضى على من ترك محبته لمحبته . والثانية : إياس النفس مما عودها من الركون إلى ما يكره اللّه عزّ وجلّ ، مما تستلذ به ويسرها ، لأن من عودته عادة ثم منعته لم ييأس مما عودته . فإذا أمنت المنع ، ورأت الجد في المنع له أمنت فسكنت ، فإذا أيست النفس فسكنت عن المنازعة ، بقي العمل بحلاوة معاملته ومناجاته . والثالثة : أنّ اللّه عزّ وجل يقبل عليه بالمعونة له إذ يسر للسالكين إليه تسهيله ، أو تخفيفه عليهم ، فيصير الغم منه فيما كان يسره ، ويصير سروره فيما كان يغتم به ، لأن سروره كان في إصابة لذته ، فصار سروره في تركها رضى لربه ، وصار غمه في الركون إليها خوفا من سخط ربه ، وأن يسقط من عينه . وما يصيب من لذة الترك لأجل الرضى ، أكثر من لذة الركون إلى العمل للّه عزّ وجلّ ، لأنه لو ركن إلى ذلك العمل كانت لذته في وقت ركونه فقط ، فإذا ترك