وليست القدوة لكل أحد تجوز في أكثر الأعمال ، ولكن لمن قوي على دفع التصنع في وقت عمله وبعده ، ومن كان موضعا للقدوة .
والعبد الصادق فيما يظهر يستحيي من اللّه أن يظهر من عمله أكثر مما يسر ، بل لا يكاد يكون في عمله إلا وسره أفضل من ظاهره ، لأنّ اللّه تعالى ينفرد بعمل سره ، وإنما يظهر من عمله ما لا يجد بدا من إظهاره .
فأقل عمله يظهر مع سر منه في ضميره إذا أبداه بجوارحه ، كالبكاء والتحنن ، وشدة التضرع ، وكل ذلك يجب أن يستره من العباد إذا أظهر العمل بجوارحه إلا ما قد غلبه منه .
وقد روي في الحديث : « إنّ العبد إذا أظهر العمل بجوارحه فاستوت سريرته وعلانيته ، قال اللّه : هذا عبدي حقا » « 1 » .
واستواء السريرة والعلانية على وجهين : أحدهما في الفرض ، والآخر في النافلة « 2 » .
فما كان في الفريضة فكانت سريرته أقل من علانيته ، فيما يخفى من عمل جوارحه ، وما يخفى من ضمير قلبه فقد جار وأساء .
والوجه الآخر أن يكون في النافلة ، فإن كانت سريرته أقل من علانيته فيما يخفى من عمل جوارحه ، فقد يكون في ذلك جائرا مسيئا ، وقد لا يكون مسيئا .
فأما الذي يكون فيه مسيئا فهو أن يكون ما يظهره من الزيادة من عمل الجوارح على ما يخفى ويستر ، ليكثرها ويكملها ، تصنعا للعباد ، وحبا للمنزلة عندهم .
والوجه الآخر الذي لا يكون به مسيئا ، ويكون منقوصا ، أن يكون يزداد على ما يخفى من نافلته ، لاتعاظهم واعتبارهم . ولا يعتبر هذا مسيئا في سريرته ، لأنه يذكر اللّه بالكمال .
فأما ريادة ظاهره على ما سمي ، فيما يظهر من عمله في عقد صدقة ، فلا يكون به إلا مسيئا ، لأن ذلك لا يكون إلا تصنعا ورياء لهم .
والناس في استواء السريرة والعلانية على ثلاثة أوجه :
فإذا زادت العلانية على السريرة ، لم تخل أن تكون معصية أو نقصا ، إلا ما تريد به القدوة .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 4 / 349 ) .
( 2 ) النافلة : ما زاد على النصيب أو الحق أو الغرض ( ج ) نوافل .