وقد يعترض في هذين البابين أغلوطة ، فيخيل إلى العبد أنه مطيع فيعصى اللّه تعالى ويبذل ماله على خطأ ، ومن ذلك أن يكون قد أراد أن يستدرجه بذكر الإشفاق على دينه أن يكافىء من آذاه ، وبذكر الإشفاق على من يخاف أذاه ، فيريد أن يستخرج منه ماله في غير موضعه ، ويعصى اللّه فيمن أعطاه ، فيخطر بباله الدعاء إلى سوء الظن بالتهمة له قائلا :
إنك إن لم تعطه وتواسه وقع فيك وشتمك ، وقد ستر ذلك عنه ، ولم يعلمه يقينا منه .
فعند ذلك وتحققه يبذل ماله من أجله ، وربما كان المعطي بريئا من ذلك ، فيجمع العبد خلتين :
سوء الظن بالمسلم المستور ، وإنفاق ماله بالإشفاق فيما يخيل إليه بسوء الظن الذي أهاجه على ذلك .
فهذا باب غامض ، يخدع فيه العدو بعض العمال ، فيخيل إليهم أنهم مطيعون ، وهم عاصون .
الإسرار بالعمل
قلت : كيف الإسرار بالعمل من المخلوقين لا من الخالق ؟
قال : الإسرار بالعمل على نوعين :
أحدهما : إخفاء عمل الجوارح من أبصار الخلائق وأسماعهم .
والنوع الثاني : إخفاء ما تحنّ به القلوب وتخفيه عن العباد وأبصارهم ، وإن كانت أعمال الجوارح لهم بادية .
فلا يبدي الصادقون من أعمال الجوارح إلا ما كان إبداؤه أقرب إلى مليكهم ، ولو أمكنهم القربة بذلك من غير إظهار لأعمالهم لم يظهروها ، لأنهم قانعون بعلم من يعاملون ، ولكن لا يمكنهم ذلك لخلتين :
إحداهما : أن من الأعمال ما لا يمكن فعله سرا ، وقد مدح اللّه سبحانه السرّ والعلانية ، فالسر أفضل ما أمكن العمل سرا ، فإذا لم يمكن فالعلانية أولى من ترك العمل .
والخلة الثانية : أنهم قد يمكنهم العمل سرا ، ولكن أظهروه للقدوة من غيرهم بهم ، رغبة في أن يصيبوا مثل أجور من اقتدى بهم ، مع أجورهم .