خوفا أن تنال أعراضهم ، ويخيل إليهم عدوهم وأنفسهم أن ذلك إشفاق منهم على من يخافون ذلك منهم ، لئلا يعصوا اللّه عزّ وجلّ فيهم ، ولا يثلموا أديانهم ، فيطلبوا إدخال السرور عليهم ليعلموا أنهم قد سروهم في أنفسهم فينصرفوا عن أذاهم .
وهذه منزلة الصديقين والأبدال « 1 » أهل الرحمة في عباد اللّه في دينهم ، فيخيل إليهم العدو أنهم يريدون ذلك لذكر الآثار ، لقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حين أعطى المؤلفة قلوبهم « 2 » ، علقمة بن علاثة « 3 » ، وأبا سفيان بن حرب « 4 » ، والأقرع بن حابس « 5 » وغيرهم حتى غضب بعض الأنصار فقالوا : « يعطي أقواما غنائمنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم » . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
« أعطيت أقواما خشيت جزعهم وهلعهم ، ووكلت أقواما إلى ما جعل اللّه في قلوبهم ، منهم عمرو بن تغلب » « 6 » .
وهذا يحتمل في الإشفاق عليهم وعلى أهل الإسلام معنيين :
هامش
( 1 ) الأبدال : الزهاد . و - ( عند الصوفية ) إحدى طبقاتها ، يزعمون أنه إذا مات بدل من الأبدال حلّ محله آخر .
( 2 ) المؤلفة قلوبهم : قوم من سادات العرب أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم في أول الإسلام بتألفهم أي بمقاربتهم وإعطائهم ليرغبوا من وراءهم في الإسلام ، فلا تحملهم الحميّة مع ضعف نيّاتهم على أن يكونوا إلبا مع الكفار على المسلمين ، وقد نفّلهم النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين بمائتين من الإبل تألّفا لهم ، منهم الأقرع بن حابس التميمي ، والعباس بن مرداس السلمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، وأبو سفيان بن حرب . ( لسان العرب 9 / 11 مادة : ألف ) .
( 3 ) هو علقمة بن علاثة بن عوف الكلابي ( توفي نحو 20 ه - 640 م ) العامري ، وال ، من الصحابة .
من بني عامر بن صعصعة . كان في الجاهلية من أشراف قومه . وفد على قيصر ، ونافر عامر بن الطفيل ، ثم أسلم . وارتد في أيام أبي بكر ، فانصرف إلى الشام ، فبعث إليه أبو بكر القعقاع بن عمرو ، ففرّ علقمة منه . ثم عاد إلى الإسلام . وولاه عمر بن الخطاب حوران فنزلها إلى أن مات .
وكان كريما ، للحطيئة قصيدة في مدحه . الأعلام 4 / 248 ، والإصابة ت 5677 ، وخزانة البغدادي 1 / 88 و 89 ثم 2 / 43 .
( 4 ) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ( 57 ق ه - 31 ه - 567 - 652 م ) . انظر ترجمته في الأعلام 3 / 201 ، وفي الإصابة ت 4041 ، والأغاني 6 / 89 .
( 5 ) هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي ( توفي 31 ه - 651 م ) صحابي ، من سادات العرب في الجاهلية . قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في وفد من بني دارم فأسلموا . وشهد حنينا وفتح مكة والطائف . وسكن المدينة . وكان من المؤلفة قلوبهم ، ورحل إلى دومة الجندل في خلافة أبي بكر . وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتى اليمامة ، واستشهد بالجوزجان وفي المؤرخين من يرى أن اسمه « فراس » وأن الأقرع لقب به ، لقرع كان برأسه . وكان حكما في الجاهلية . الأعلام 2 / 5 ، وخزانة البغدادي 3 / 397 ، وعيون الأثر 2 / 205 .
( 6 ) أخرجه أحمد بن حنبل 5 / 69 .