فأرادوا وجهه . يقول : لم يشركوا في إرادتهم لربهم .
والتفضل بالحلال يكون في وجوه البر لمن يحبه في اللّه تعالى .
ومنها صلة القرابة للرحم وإن كانوا أغنياء .
ويروى عن عطاء « 1 » أنه قال : « صلة الأغنياء من أولي الأرحام أولى من صلة الفقراء من الغرباء » .
ومنها برّ أهل الجدة لعالم يتعلم منه إعظاما له على علمه ، أو لأن يجري بينهما من المؤانسة والخلطة بأن يستفيد بعض علمه .
ومنها برّ المتعلم يتألفه به على مواظبته على التعلم والعناية به ، لأنّ العالم والمتعلم يأنسان ويسكنان إلى من أدخل عليهما السرور ولا سيما بالنيل من الدنيا .
ومنها ما بقي به الرجل عرضه من أن يسعى به إلى سلطان أو غيره .
وفي ذلك أغلوطة تدخل على العمال من عدوهم وأنفسهم ، بطلب سرور من يخافه لينصرفوا عن أذاه ، فيخيل إليهم أنهم يريدون اللّه عزّ وجلّ باتقائهم شر غيرهم ، بإدخال السرور عليه ، ويزين لهم العدو ذلك بذكر الآثار كالحديث الذي جاء : « ما وقى الرجل به عرضه فهو صدقة » « 2 » . وقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من شرار الناس من أتقى فحشه » « 3 » .
فتخيل النفس إلى العبد ذلك ، وإنما هو خوف سقوط المنزلة ، أو خوف ضعة عند الناس إذا ذكروا ، أنفا أو كبرا أن بذكر ممن هو دونه عند نفسه ، فيبذل ماله عند ذلك ، ويخيل إليه أنه يريد اللّه عزّ وجلّ .
والذي يصح من ذلك أن يكون وقى عرضه لئلا يذكر عرضه فيجزع لذلك ، فيستخرج منه الجزع مكروها في دينه ، مثل ما نيل من عرضه أو أكثر .
فإذا فعل ذلك لذلك كان صونا منه لدينه ، وأنفا منه على قلبه ألا يتغير ويزول عن ربه .
ومنه أغلوطة أدق من الباب الأول على العلماء ، فيخيل إليهم العدو وأنفسهم أنهم قد قاموا بأعظم الأمور في عبادة اللّه ، من الإشفاق عليهم في أديانهم ، فيبذلون أموالهم
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 235 .
( 2 ) أخرجه ( البغوي 5 / 294 ) .
( 3 ) أخرجه الألباني في ( السلسلة الصحيحة 3 / 41 ) .