تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
وقد يدخل على المريدين في ذلك أغلوطات من طبائعهم ومن عدوهم حتى يخيل إليهم أن ترك المواساة أولى ، وأن إيثار أنفسهم ومن يجب عليهم حقهم أولى بذلك ، إذا خشوا الآثام وتضييع الواجب ، فيما يخيل إلى المريد نفسه وعدوه . فإذا فحص وأنعم الروية والنظر في ذلك وجد ذلك لا يقرّبه ، ولا هو أولى به ، وأن المواساة أقرب إلى اللّه تعالى ، بل بعضها يجب عليه إذا استيقن بالمسلم الذي لا يتهمه ضررا قد نزل به في غذاء أو لباس أو ما أشبه ذلك . وإنه لخدعة في العامة ، لعلّ الرجل يعلم الضر من بعض قرابته أو إخوانه أو جيرانه ، فإذا عوتب في ذلك قال : الفرض أولى بنا ، ويحكم بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ابدأ بمن تعول » . ولعل عنده ما يكفيه لغذائه سنين وأياما . وإنما كان ذلك منه عن غفلة عن صحة المعنى ، وربما كان كذبا منه على عمد لإقامة الحجة ، ودفع الملامة عن نفسه أن تذم بترك المواساة لقرابته أو لإخوانه أو لجيرانه . وقد يكون الضرّ في نفس العبد ، أو فيمن يحسن للحسبة في ذلك من عياله ، ما لم يكن ضرا يقطع عن فريضة ، أو عما هو أولى . أو لم تسمع لقوله تعالى :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] فالخصاصة بعض الضر : لأنها في اللغة هي الحاجة ، تقول العرب في أحاديثها : أصابت فلانا خصاصة ، يعني حاجة ، فمدحهم اللّه سبحانه وتعالى بذلك فقال :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
[ الإنسان : 8 ] . ولم يرد أنهم رغبوا في الفضول لطبع الغذاء الذي يضر إن زال عنه . ومما يبين ذلك أنه إذا اختلف في المؤثرين على أنفسهم بذلك ، فقالت طائفة من العلماء : إنّ المؤثرين بذلك عليّ وفاطمة ، وقال قوم : أهل بيت من الأنصار ، فإنهم أجمعوا على أنهم قد آثروا على أنفسهم مع شدة الحاجة . إلا أنهم اختلفوا في المؤثر به . فمنهم من قال : ثلاثة أقراص من الشعير ، أتاهم مسكين أولا فآثروه بأحد الثلاثة ، وأبقوا الاثنين لأنفسهم ، ثم أتاهم يتيم فآثروه بالثاني ، وأبقوا الثالث لأنفسهم ، ثم أتاهم أسير فآثروه بالثالث ، فأثنى اللّه عزّ وجلّ عليهم بذلك ، إذ تحملوا الضر في أنفسهم ، وآثروا اللّه تعالى على أنفسهم بصدقة الإرادة من أنفسهم لغير طلب مكافأة ، وبذلك وصف ضمائرهم بأنهم أرادوا ذلك بقوله :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً
[ الإنسان : 9 ] .
المسائل — صفحة 48 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور