المنغص الفاني عنه ، والفاني هو عنه ، والباقي عليه بعد فنائه ، وشدة الحساب ، وعظيم السؤال عنه ، ثم لا يأمن من سخط اللّه على ذلك في الآخرة إن حلّ به .
فلما عقل عن اللّه جلّ وعزّ جميع ذلك من نفسه ، وستر عنه عامة ذنوب الخلق ، وحقت عليه الحجة ، بدون ما وجبت من اللّه جلّ وعزّ ، من أجل العلم الذي استودعه ، والستر لذنوبه ، وما حببه إلى عباده ، لم يأمن أن يكون استدراجا له ، لأنه وكل بالخوف على نفسه ، قبل غيره ، وأنه لا يأمن سالف ذنوبه ، وتضييع شكر نعم ربه ، وعظيم ما لزمه من الحجة ، وأن يختم له بغير دين الإسلام ، أو بعظيم الذنوب مع الإيمان .
فلم تقع عينه عن أحد ، ولم تسمع به من المسلمين إلا خاف أن ينجو ، ويهلك هو دونه ، يكسر قلبه من يرى من أهل الطاعات . ويقطع عليه أنه خير منه ، ويتمنى أن يكون مثله .
ويهيج عليه الخوف من قلبه ممن رآه دونه في الدين ، يخاف أن يهلك هو دونه ، أو يختم له بأسر الأعمال ، لعظيم حجة العلم ، وجميل الستر عليه ، ولما أمر به من خوف سوء الخواتيم التي مات عليها الأشقياء .
فهو متواضع للعباد كلهم ، لشدة ذلة الخوف على نفسه .
وعقل عن اللّه تعالى ما بين قدر الدنيا والآخرة ، فعقل من صفة الآخرة ، بنعيمها وملكها وشرفها ، وعزّها وعظيم قدر سكانها ، وأنها في جوار المولى ، وما وصف به سوء عيش الدنيا ، وضعة رفقتها عنده يوم يحاسب عباده ، وذل العزيز بها عنده في يوم يبعث خلقه ، وحقارة المتكثرين في عينه ، وضعتهم يوم النشور « 1 » ، حتى أنهم ليحشرون في صور الذرّ دون جميع خلقه .
وعقل عن اللّه تعالى ما أمر به ، وأخبر أن الفقير من استغنى في الدنيا عنه ، ومن تجازى عما حرمه من حقه يوم الحساب ، وتصاعد في معالي درجاته .
فلما عقل ذلك كله عن ربه ، كان الفقر أحب إليه من الغنى بها ، وكان التواضع أحبّ إليه من السرف فيها وكان الذي فيها أحب إليه من العزّ بها .
مسائل في العقل
الحجة حجتان : عيان ظاهر ، أو خبر قاهر .
هامش
( 1 ) يوم النشور : يوم القيامة .