والعقل مضمن بالدليل ، والدليل مضمن بالعقل ، والعقل هو المستدل ، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله ، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل ، وكون الاستدلال مع عدم الدليل .
فالعيان شاهد يدل على صدق والخبر يدل على غيب ، فمن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سفه .
وربّ حق أحقّ من حقّ ، كمن عفا ، أو من اقتص ، وكاقتضاء الدين ساعة محله ، أو تركه قليلا إحسانا إليه ، فقد أحسن في الطلب .
فكم من حسن أحسن من حسن غيره ، وكم من قبيح أقبح من قبيح ، وفرض أوجب من آخر ، وفضل أفضل من فضل آخر .
والحبّ والبغض إذا أفرطا أنقصا الاعتدال ، وأفسدا العقل ، وصورا الباطل في صورة الحق ، فأهل الشر لا يعرفون بين أئمتهم ، كما لا يفرقون من إمامهم ، وإن الحق في كل أمر بين ، والباطل في كل حال داحض .
إلا أنّ كثيرا من الناس لا يعرفون وجه مطلبه ، وبعضهم يعرف بعضه ، ويجهل بعضه ، ومنهم من عرف ثم نسي ، ومنهم من يعرف أكثره ، ولا يعرف أسهل طرقه ، وأقرب وجهه .
فجميع الحق في فنون الطاعات ، وتحذير الباطل في مذاهبه إذا جمع وألف كان أنشط لحفظه وتفهمه ، لمن كان لا ينشط لأن يطلب علمه حتى يجمعه .
والعالم به يريد جمعه في بصيرته ، ويجمع كل المذاهب ، إلا خبر الواحد لمن كان لا يعرف إلا بعضه ، ويذكر الناسي لما قد علمه فنسيه ، وينبه المتهاون لما كان قد اشتغل عن العناية بالقيام به ، ويبين للزائغ عن طريق الرشد لأنه قد تركه .
ولعل من نظر فيه بالإعجاب برأيه أن ينقض مذاهبه ، فإذا فهم حسن العبارة عنه ، وإيضاح حججه وتورياته ، ينتبه من رقدته ، ويفيق من سكرته ، لأنّ الحق عزيز أين كان ، والباطل ذليل في كل أوان ، والحجة ظاهرة بنورها على الشبهة .
وليس من تفرّد بكتاب يقرؤه وحده متثبتا فيه ، لا يشغله عنه سبب يقطعه ، كمن نازع غيره ، لأنه يعترض في المناظرة آفات كبيرة من العجب بالرأي .
والذي يمنع من الفهم الأنفة « 1 » التي تمنع من الخضوع للحق ، وحبّ الغلبة الذي يبعث على الجدال ، والجزع من التخطئة ، التي تمنع من الإذعان بالإقرار بالصّواب .
هامش
( 1 ) الأنفة : العزة والحمية .