تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وأنها مشغلة له عن الاشتغال بربه ، ما دام فيها ، حتى ما يعد له من الأنس بربه ، وحلاوة مناجاة سيده ، فارتفع قلبه عنها ، وتمنى لو استغنى عن أن يتناول منها شيئا . فلم يجد بدا من الأخذ منها ما يقويه على طاعة اللّه ، خوفا أن يمسك عن القوت فينقطع عن عبارة ربه ، فكان نصيبه منها القوت ، من الغذاء ، ولم يتكلف ما جاوز بلغة القوت من غذائه ، وستر عورته ، من مثل ميراث وغيره ، فمبذول كله لربه ، يفرح بإخراجه ، ويغتم أن يمكث عنده أقل من طرفة عين . وعقل عن اللّه تعالى آياته ، في تدبيره ، وحكمته في آثار صنعته ، دلائل حسن تقديره ، علم أنه بقدرة نافذة قدّرها ، وبحكمة كاملة أتقنها ، وبعلم محيط أخبر عنها ، وسمع نافذ يسمع حركاتها ، وبصر مدرك لها . ويرى لطائف خلقها وغوامض كوامنها ، ومواراته بحجبها وسواترها . فاستدل بذلك على أنه لا إله إلا هو العظيم ، الذي لا إله غيره ، ولا ربّ سواه ، فكأن جميع الأشياء عين يعتبر بها ، ويجلّ ويعظم ، لما يرى ويسمع من مولاه وسيده . فدام ذكره ، وزالت عن اللّه تعالى ، وعزّ وجلّ غفلته . وعقل عن اللّه تعالى أنه قد يبلغه غاية العلم به ، وبلطائف محابه ، والتقرب إليه ، والفهم لما كلمه به ، فكان مع شدة اجتهاده ، ودوام اشتغاله بربه ، غير تارك ولا منقطع عن طلب الازدياد من العلم بربه . وكان التزيد في الفقه عنه أعلى في قلبه ، وأعظم عنده قدرا ، من الازدياد من كثير من النوافل ، إذ عقل عن ربه : أن أقل قليل المعرفة ، يورث التعظيم والهيبة ، ويبعث على الاجتهاد ، ويورث الطاعات ، والشغل عن جميع العباد . وعقل عن اللّه أنه ابتدأ عباده بالرحمة ، والتفضل والاحسان ، بعد تقديم العلم منه لهم أنهم سيعصونه ، ويخالفون أمره ، فلم يمنعه ذلك من ابتدائهم بالنعم ، والتحنن والرحمة والاحسان ، وجعل أفضل أوليائه عنده الرحماء بخلقه ، المتحننين على عباده ، الناصحين لبريته . وهم رسله الداعون العباد إلى نجاتهم ، والمحذرون لهم من هلكتهم ، المتحملون منهم الأذى ، والمتحننون عليهم بالرحمة والنصح والإشفاق ، مع أذاهم لهم وتكديرهم إياهم ، واستهزائهم بهم ، لا يكافئونهم بمثل ما نالوا منهم ، ولا ينصرفون عن الإشفاق عليهم ، إذ سمعوا اللّه جلّ ثناؤه يصفهم إذ قالوا لنوح :
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
المسائل — صفحة 179 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور