فلما عقل عن اللّه عزّ وجلّ ، ما ابتدأ العباد به في الرحمة ، وأنه خص بها أعظم خلقه عنده قدرا ، وفضله بها على جميع العباد ، ألزم قلبه رحمة الأمة ، فأحب محسنهم ، وأشفق على مسيئهم ، ودعا إلى اللّه سبحانه وتعالى إذا أمكنه .
قد برّهم ، ولم يدخر مالا عن فقيرهم ، ففضل ماله عليهم مبذول ، وبالمواساة لهم في قوته منهم المجهود . من سأله منهم ما يقدر عليه لم يتبرم بطلبه ، ولم يضجر بإعطائه ، للرحمة التي لهم في قلبه . ومن آذاه وأساء إليه لم يجد في نفسه له كراهية للعفو والصفح عنه .
بعيدهم جميعهم كأقرب الخلق منه ، كبيرهم مثل أبيه ، وصغيرهم كولده ، وقربه كأخيه . فكل هؤلاء يجب الاحسان إليهم ، وألا يفارق قلبه الشفقة عليهم .
وعقل عن اللّه تعالى عظيم قدره ، وقدر ما يطلب من ثوابه ، وما يخاف من عقابه ، وعظيم الأيادي ، وكثرة النعم عنده ، وأنّ جميع خلقه من أهل سماواته وأرضه ، لو دأبوا جميعا واجتهدوا عمر الدنيا كلها ، ما أدوا شكر نعمة ، ولا أدوا ما يحق في عظمته ، فكيف بالحلول في جواره ، والنجاة من عذابه .
فقد عقل أي ربّ يعبد ، وأي ثواب يطلب ، ومن أي عقاب وعذاب يهرب ، وأي نعيم يشكر ، والشكر أيضا ممن هو ، ومن منّ به .
فلما عقل ذلك كله عن ربه استقل واستصغر جميع دؤوبه واجتهاده ، لعظيم ما عقل من جميع ذلك .
وعقل عن اللّه تعالى ما وصف به نفسه ، وأنها بالسوء أمارة ، وللذنوب مسوّلة ، وأنها هي التي جنت عليه ما قد أحصاه ربه عليه ، ولم يأمن أن يكون قد حلّ به غضبه ، وأنه لا يكاد يعري في بعض أحواله من أن يتعرض لبعض مساخطه ، وأنه قد لزمته عظيم حجة ما خصّ به من العلم ، وما من عليه به من المعرفة ، دون أكثر العوام ، فاستكثر قليل طاعتهم ، واستعظمها مع استصغار كثير الطاعات من نفسه ، لأنه أعلم بنفسه وبذنوبه من دونهم ، وأنّ الحجة عليه أعظم منها عليهم .
وعقل قدر من عصاه وخالفه ، فيما أمر به ، فعقل قدر عظمة من عصاه ، وشدة غضبه ، وشدة عذابه ، وهول المكث في عقابه ، إن لم يعف عنه ، فعقل كثرة ذنوبه ، وسوء رغبة نفسه ، ودناءة همته ، وعجيب جهله ، إذ كان قد آثر على رضاه من العبيد ما لا معنى لهم في دنيا ، ولا في آخرة ، بملك ولا نفع ولا ضر ، وإيثاره من الدنيا المكدر
المسائل — صفحة 181
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٨١