فلما كثرت آفات المناظرة ، وكان التفرد بقراءة الكتاب المجموع فيه ، والمؤلف فيه حدود الحق أسلم ، رأيت أن أصنف فيه مبينا وأستشهد عليه من الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة ، أو استنباطا بينا ، أو قياسا إذا عدم البيان بالنص ، فيما يجوز فيه القياس ، والتسليم .
والأصون الكف عن تكلف ما نهى عنه ، مما يسع جهله ، ولا يؤدي علمه إلى القربة ، بل ترك البحث عنه ، هو القربة والوسيلة إلى رضى اللّه عزّ وجلّ .
ولا غناء بالعبد عن النظر والتفكر والتذكر ، ليكثر اعتباره ، ويزيد في علمه ، ويعلو في الفضل .
فمن قل تفكره قل اعتباره ، ومن قل اعتباره قلّ علمه ، ومن قلّ علمه كثر جهله ، وبان نقصه ، ولم يجد طعم البر ، ولا برد اليقين ، ولا روح الحكمة .
وماذا بلغ علم من درس العلم بلسانه ، وحفظ لحروفه بقلبه ، وأضرب عن النظر والتذكر والتدبر لمعانيه ، وطلب بيان حدوده ؟ . ما أقربه في حياته من حياة البهائم ، التي لا تعرف إلا ما باشرته بجوارحها !
لكن المتذكّر الناظر فيما يسمع ، المتدبر لما علم ، المتوهم لما به أمر ، الطالب لنهاية حدود العلم ، الغائص على غامض الإصابة ، المحكم للأصول ، الراد عليها الفروع . هو الفارق بين ما له وما عليه ، والمبصر لما يصلحه وما يفسده ، القوي على عصيان طبائعه المنازعة إلى ما يهلكه ، والمخالف لشهواته التي ترديه ، العارف بعواقب الأمور ، وبما يحدث في غابر الدهور ، وما حدث منه . الهائب أمر ربه ، المؤثر لذة عقله على لذة هواه « لذة الحكماء العقلاء في عقولهم ، ولذة الجهال والبهائم في شهواتهم » .
أي سرور بعد سرور العلم ، وروح اليقين ، وعظيم المعرفة ، وكثرة الصواب ، والظفر الذي لا يثبت ولا ينال إلا بحسن النظر ، وطول التذكر ، وتكرار الفكر ، والتقديم في التدبير .
فبذلك ظفر بالعلم باللّه ، والتعرض لولايته ، وطلب الجاه عنده ، والتسليم لأمره ، والتوكل على كفايته ، وبذل القليل من الدنيا للثواب الجزيل ، لأنه الربّ الكريم .
من طلبه وجده ، ومن استكفاه كفاه ، ومن اتقاه وقاه ، ومن تقرب إليه أسرع إليه بالإجابة .
يدعوك إن أدبرت ، ويقبلك إن رجعت ، ويحمدك على حظك ، ويثني عليك بما وهب لك ، ويحضك على النظر لنفسك .
المسائل — صفحة 184
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٨٤