إنما يحرّضك لينصحك إن عقلت ، ويفقرك ليغنيك ، ويمنعك ليعطيك .
يمنعك القليل الفاني لترضى ، فيعطيك الجزيل الباقي ، ويميتك ليحييك ، ويفنيك ليبقيك ، ويداويك بالأمراض ، لتبرأ من سقم الذنوب ، ويغمك بالأوجاع ، ليغسلك من درن الخطايا ، ويعركك بالبلاء ، ليلين قلبك لطلب الفوز .
ابتدأك بالنعم قبل أن تسأله ، وثنّاها بعدما ضيعت شكره ، وأدامها بإحسانه ، مع دوام الإعراض منك عنه .
فكيف تدرك وتعرف إحسانه ، وتتبين إساءتك ، وتبصر نجاتك ، وتتضح لك أسباب عيشك إلا بالنظر بعقلك فيما قال ، والتذكر والمجاهدة لنفسك لتعرف ما يرضيه وتجانب ما يسخطه ، ويباعد منه ، لأنه قد جعل فيك غريزة العقل ، ومنّ عليك بالمعرفة ، وابتلاك بما في طباعك ، مما يهيج الغضب والرضى ، والبخل بالسكوت ، لأنّ الصمت أعجمي ، وفاعله أخرس ، لا يعرف معناه إلا صاحبه ، والقول فصيح مبين يعرفه سامعه .
ومن بلغه إلى يوم القيامة لم يعرف القول الحقّ بالصمت ، ولا جميع الأعمال بالحق إلا بالقول ، بل لا يعرف الصمت عن الباطل إلا بالقول لما عرفه من الكتاب .
وإنما أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالصمت لتارك القول بالحق والخير ، فقال : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فليقل خيرا ، أو ليصمت » « 1 » .
فلم تعرف الآداب ، ولا البيان عن جميع الإحسان إلا بالقول .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( أدب 31 ، 85 ) ، ( رقاق 23 ) ، ومسلم ( إيمان 74 ، 75 ، 77 ) ، ( لقطة 14 ) ، وأبو داود ( أدب 123 ) ، والترمذي ( برّ 43 ) ، ( قيامة 50 ) ، وابن ماجة ( فتن 12 ) ، والدارمي ( أطعمة 11 ) ، وأحمد بن حنبل 5 / 247 ، 412 .