تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وعقل عنه أمره وآدابه وأحكامه ، وعقل داء النفوس ودواءها . فمن عرفه أمّل الرشد منه ، وأن يحيا بمنطقه ، ويعقل عن اللّه عزّ وجلّ بتأديبه له . وعقل عن اللّه تعالى عزّ وجلّ ما عظم من قدر ثوابه في جنته ، بدوامه وطيب العيش فيه ، وزوال الآفات والتكدير ، والتنغيص والنقص عنه ، وأنه فوق ما تحب النفوس ، لا يحسن أحد أن يخطر بباله ذكر كثير مما أعد فيها . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في جنته ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 » . وكفاك باللّه تعالى واصفا عما أعد لأوليائه ، إذ يقول عزّ وجلّ من قائل :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] . فقد أخبرنا أنه جاوز في الكمال والنعيم ، وقرة العيون وصف الواصفين ، ومعرفة العارفين ، وذكر الذاكرين ، بجميع النعيم . فعظم في قلبه جوار مولاه ، وما أعد فيه لمن أناب إليه وأطاعه ، فشخص بعقله ، فاتصل ما استودع قلبه من العلم بذلك ، بمشاهدته بعقله ، حتى كأنه رأى عينه ، وكما قال حارثة : « كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وإلى أهل الجنة يتزاورون » . وكما قال الحسن ، وذكر أولياء اللّه في الدنيا ، فقال : « صدّقوا به ، فكأنما يرون ما وعدوا رأي العين » . فلما اتصل عقله بمشاهدة ذلك ، حنّ واشتاق . فلما حنّ واشتاق نطق قلبه ، واشتغل قلبه . فلما اشتغل قلبه بالشوق إلى جوار ربه ، سلا عن الدنيا ، فلها عنها ، ولم يفكر في دار الدنيا ، أين هي من جوار ربه ، إذ يقول جلّ وعزّ :
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
[ البقرة : 219 ] في الدنيا والآخرة . قيل في التفسير : تفكروا فيهما فعلموا أنّ الدنيا دار فناء ، وأن الآخرة دار بقاء وجزاء . فعقل نعت ربه ، لزوال الدنيا وفنائها ، وأن كل ما أخذ منها لغير القربة إلى ربه في جواره ، ناقص من درجات القرب ، وكمال النعيم في جوار ربه ، وأنّ الحسنات ، والسؤال عن نعيمها ، بالحبس عن السبق في أوائل الزمر ، إلى جوار ربه ومولاه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة 32 ) ، وابن ماجة ( زهد 39 ) .