العقل عن اللّه
قلت : فمتى يسمى الرجل عاقلا عن اللّه تعالى ؟
قال : إذا كان مؤمنا خائفا من اللّه عزّ وجلّ ، والدليل على ذلك : أن يكون قائما بأمر اللّه ، الذي أوجب عليه القيام به ، مجانبا لما كرهه ، ونهاه عنه ، فإذا كان كذلك استحق أن يسمى عاقلا عن اللّه . بل لأنه لا يسمى عاقلا عن اللّه من يعزم على القيام بشخصه ، فأقام على ذلك مصرا غير نائب .
قلت : فمتى يسمى العاقل عن اللّه كامل العقل عن اللّه تعالى ؟
قال : إنّ العاقل عن اللّه تعالى لا غاية له ، لأنه لا غاية للّه عزّ وجلّ ، عند العاقل بالتحديد ولا للإحاطة بالعلم بحقائق صفاته ، ولا بعظيم قد رثوا به ولا عقابه ، إذ لم يعاينه ، ولو عاين اللّه جلّ ثناؤه ، وتقدست أسماؤه بصفاته لما أحاط به علما ، ولكن قد يقع اسم الكمال على الأغلب من الأسماء في العقل عن اللّه تعالى ، لا العقل بالكمال الذي لا يحتمل الزيادة .
ألا تراه عزّ وجلّ يقول لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] .
وقال :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] .
وروي عن الملائكة أنها تقول يوم القيامة : ربنا ما عبدناك حق عبادتك فلا أحد يساوي اللّه تعالى في العلم بنفسه ، فيعرف من كمال صفاته وعظمته ما يعرف اللّه عزّ وجلّ من نفسه .
فأعظم العاقلين عنه العارفين به ، عقلا عنه ، وأعظم الناس معرفة به الذين أقروا بالعجز أنهم يبلغون في العقل والمعرفة كنه معرفته .
ولكن قد تسمى كاملا في العقل عن اللّه ، فيما غلب عليه من الأفعال التي كانت عن العاقل كاملا ، من كانت فيه ثلاث خلال :
الخوف منه ، وقوة اليقين به ، ومما قال ووعد وتوعد ، وحسن البصر بدينه ، بالفقه عنه فيما أحب وكره ، من علم ما أمر به وندب إليه ، والوقوف عند الشبهات التي سمى اللّه الوقوف رسوخا في العلم به .
فإذا اجتمع الخوف منه ، وقوة اليقين به ، وبما قال ووعد وتوعد ، وحسن البصر بدين اللّه والفقه في الدين ، فقد كملت قوة عقله .