وإن كان الخوف من اللّه هو من قوة اليقين بالوعيد ، فإنه قد يكون خائفا ، ولا يكون معه اليقين القوي الذي ينال به الرضى والتوكل ، والمحبة والزهد . فمن ثم قلنا :
الخوف من اللّه ، والبصر بالدين ، وقوة اليقين . لأنه قد يكون قوي اليقين ، وليس حسن البصر بالدين ، ويكون بصيرا بالدين ، ولا خائفا ، ولا قوي اليقين .
وجماع هذه الثلاث الخصال قوة اليقين ، وحسن البصر بالدين .
وإنما ذكرنا الخوف وإن كان من اليقين ، لأنه قد يكون خائفا ، وليس بالقوي اليقين في كمال ما قال اللّه عزّ وجلّ ، مما وصف به نفسه ، من قدره وجلاله وعظمته ، وما وعد وتوعد ، ورجا وأنعم وابتلي به .
ثم لهذه الثلاث خلال حقائق من الفعل ، بالقلب والجوارح ؛ لأنه إذا تم عقل المؤمن عند ربه أفرده عزّ وجلّ بالتوحيد له في كل المعاني . فعلم أنه مالك له ، لا غيره ، وأنه عتيق مما سواه ، فتواضع لعظمته واستعبد وخضع لجلاله ، ولم يذل لمن سواه .
وعقل عنه أنه الكامل بأحسن الصفات ، المتنزه من كل الآفات ، المنعم بكل الأيادي والإحسان ، فاشتد حبه لما يسأل لعظيم قدره ، وكريم فعاله ، وحسن أياديه .
وعقل عنه أنه لا يملك نفعه وضره في دنياه وآخرته إلا هو ، فأفرده بالخوف والرجاء وحده ، وأمن وأيس من جميع خلقه ، فهو الموحد له ، إذ عقل وحدانيته ، وتفرده بكل معنى كريم ، ووصف جميل ، وجلال وعظمة ، ونفاذ قدرته ، ومضى إرادته ، وإحاطة علمه ، وقديم أزليته وأوليته .
فإذا كان كذلك ترك الكبر على العباد ، لخضوعه لجلال مولاه ، فتواضع لجميع الخلق ، ولم يحقر مسلما لشدة معرفته بصغر قدر نفسه ، ولما جنى من الذنوب على نفسه ، ولعلمه بأنّ خواتيم الأجل بسوء العواقب وحسن الخاتمة من الشقاوة والسعادة قد سبق بهما العلم ، ونفذت فيهما المشيئة .
فقد أمن من عرفه كبره وبغيه ، وقد عقل عن اللّه جلّ وعزّ حججه على خلقه ، وإعذاره إلى خلقه بأنه ليس لهم بظالم ، وأنه قد بدأهم بالرحمة قبل العقوبة ، وقد سبقت منه الأيادي قبل الشكر .
طويل الحلم ، دائم التأنّي ، جميل الستر ، مقيل للعثرات « 1 » ، محسن إلى من تبغّض إليه ، متقرب إلى من تباعد عنه .
هامش
( 1 ) العثرات : ( ج ) العثرة : الزلة والسقطة .