وفرقة رابعة عقلت قدر اللّه جلّ وعزّ ، في تدبيره ، وتفرده بالصنع ، وعرفت قدر الإيمان في النجاة ، بالتمسك به ، وقدر العقاب في ضرره بمجانبه الإيمان ، فلم يجحدوا كبرا ولا أنفا ، ولا طلب دنيا ، وعقلت أنّ عاجل الدنيا يفنى ، وعذاب الآخرة لا يفنى ، فأقرت وآمنت ، ولم تعقل عظيم قدر اللّه في جلاله وهيبته وعظيم قدر ثوابه وعقابه في القيام بفرائضه ، وإتيان معاصيه ، فعصت وصنعت ، وغفلت ونسيت ، إلا أنها علمت عظيم قدر الإيمان في النجاة ، وعظيم ضرر الكفر ، قد عقلت ذلك عن اللّه تعالى ، فهي قائمة به ، دائمة عليه .
ثم بعد عقله قدر الإيمان ، يزداد معرفته بقدر الغضب والوعيد والوعد ، فإذا ازداد طائفة من العقل قام بطائفة من الفرائض ، وترك بعض المعاصي ، وإلا فقد ضيع بعض الفروض ، وركب بعض المعاصي ، من أجل الهوى ، ومعه عقل البيان والإقرار ، فعقل أنه مسيء ، ولم يرجع عن إساءته لغلبة الهوى .
ولو ازداد عقلا بعظيم قدر الغضب والرضى ، والثواب والعقاب ، لا ستعمل ما عقل من البيان ، وأقربه ، أنه حق ، فتاب وأناب .
وجميع الممتحنين المأمورين ، من العقلاء البالغين ، كلهم لهم عقول ، يميزون بها ، ويعقلون بها أمور الدنيا كلها ، في الجليل والدقيق ، وأكثرهم للآخرة لا يعقلون .
ألم تسمعه عزّ وجلّ يقول :
تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] . وقال جلّ ثناؤه :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
[ الحج : 46 ] . وهم بالدنيا أهل بصر وسمع وعقل . فلم يعن أنهم صم خرس مجانين ، وإنما عذبهم لأنهم يعقلون ، ولو تدبروا ما يرون ويسمعون من الدلائل عليه ، من آيات الكتاب ، وآثار الصنعة ، واتصال التدبير الذي يدل على أنه واحد ، لا شريك له .
وحكى اللّه تعالى قول أهل الكتاب ، فقال :
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ الملك : 10 ] . وقد كانت لهم عقول وأسماع ، لزمتهم بها الحجة للّه عزّ وجلّ ، وإنما عني عزّ وجلّ : أنها لم تعقل عن اللّه فهما ، لما قال ، من عظيم قدره ، وقدر عذابه ، فندمت ، وتأذت بالويل والندم ، لا أنها لم تكن تسمع ولا تعقل ، ولا كانوا مجانين ، ولكن كانوا يعقلون أمر الدنيا ، ولا يعقلون عن اللّه ما أخبر عنه ، وتوعد ووعد .