[ المجادلة : 18 ] . فلم يعقلوا ما قيل لهم ، كما عقله المحرّفون للسان بعدما عقلوه ، وهم يعلمون أمر دنياهم ، ودقائق معايشهم ، وما هو أدق في الغموض من أعلام الدين ، فقال عزّ وجلّ :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
[ الروم : 7 ] .
قال : حدّثني عفان ، قال : حدّثنا صخر بن جويرية ، عن الحسن ، في قوله تعالى :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الروم : 7 ] قال : لا جرم واللّه ، لقد بلغ من علم أحدهم بدنياه ، أنه يقلب الدرهم على ظفره ، ويخبرك بوزنه ، وما يحسن أن يصلي .
وقال : حدّثني عفان ، قال : حدّثنا شعبة ، عن شرقي ، في قوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الروم : 7 ] .
فذكر الخزاز « 1 » ، والخياط ، ونحوهما ، وأخبر اللّه تعالى أنهم يعقلون أمر دنياهم ، ولو تدبروا وتركوا التقليد والاعجاب بالآراء ، لعقلوا أمر آخرتهم ، كما عقلوا أمر دنياهم ، حين عنوا بطلب منافعها في العاجل ، ورفع مضارها في العواقب .
فهذه أربع فرق :
فرقة عقلت عن اللّه تعالى عظيم قدره وقدرته ، وما وعد وتوعد ، فأطاعت وخشعت .
وفرقة عقلت البيان ، ثم جحدت كبرا وعنادا لطلب الدنيا ، كما وصف اللّه عزّ وجلّ عن إبليس أنه تكبر وعاند كبرا ، وهو مع ذلك يقول :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 82 ] .
ووصف اليهود فقال :
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 146 ] . وقال :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] . وقال :
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
[ الأنعام : 114 ] . وقال :
اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
[ آل عمران : 187 ] .
وفرقة طغت وأعجبت وقلدت ، فعميت عن الحق أن تتبينه ، ثم تقرّبه ، ثم جحدته كبرا ، وطلب دنيا ، بعد عقلها للبيان ، فظنت أنها على عقل ودين ، وهي على باطل وشر وضلال .
هامش
( 1 ) الخزّاز : بائع الخز .