عزّ وجلّ ، بكبر همته . وإذا عني بطلب العلم بذلك ، استدل به على عظم قدر المولى ، وقدر ثوابه وعقابه .
وإذا استدل على ذلك أبصر وفهم حقائق معاني البيان . فإذا فهم وعقل عظيم قدر اللّه تعالى ، وهيبة عرضه على اللّه سبحانه ، وثوابه وعقابه ، وإذا عظم قدر ذلك هاب اللّه تعالى ، وفرق ورجا ، ورغب واشتاق ، فكأنما يعاين ذلك كرأي العين ، فكان عن اللّه تعالى عاقلا ، وسمي ذلك منه عقلا ، إذ كان بالعقل طلب ذلك ، وبالعقل فهم ذلك ، وبالعقل لزم ذلك ، وبالعقل جانب ما يزيله عن ذلك . فهذا الذي عقل عن ربه . ألم تسمعه عزّ وجلّ يقول :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقة : 12 ] . قال : أذن عقلت عن اللّه تعالى ، يعني عقل عن اللّه ما سمعت أذناه ، مما قال وأخبر .
فهذا هو العقل ، ومن زل عن ذلك ، ومعه عزيزة العقل التي فرق اللّه تعالى بها بين العقلاء والمجانين ، فهو غير عاقل عن اللّه عزّ وجلّ ، وهو عاقل للبيان الذي لزمته من أجله الحجة .
وقد وصف اللّه عزّ وجلّ من هذا في كتابه رجالا ، وسمي لهم عقلا ، فقال تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
[ الحج : 46 ] . يعني عنه .
وقال عزّ وجلّ :
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً
[ الأحقاف : 26 ] . يعني عقولا .
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ
[ الأحقاف : 26 ] . ثم سمي بعض الكفار من أهل الكتاب عاقلا للبيان الذي لزمتهم به الحجة ، فقال تعالى :
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 75 ] . فأخبر أنهم لا يعقلون . يعني عنه ، وعن عظيم قدره المبين عنه ، ثم قال :
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ
[ البقرة : 75 ] . يعني : عقل البيان .
وآخرون لهم عقول الغرائز ، لا يعقلون البيان ، ولا عن المبين عنه بالفهم له ، إلا أنهم يسمعون بلغة يعرفونها كلاما لا يعقلون معانيه بالفهم له ، كمشركي العرب فقال :
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] .
فلم يعقلوا ما قال اللّه عزّ وجلّ ، لإعجابهم برأيهم ، ولتقليدهم آباءهم وكبراءهم ، وقد كانت لهم عقول غرائز ، يعقلون بها أمر دنياهم . ولو تركوا الإعجاب بالرأي ، وتقليد الكبراء ، ثم تدبروا لعقلوا ما قال اللّه .
ولكن أعجبوا بآرائهم ، وقلدوا كبراءهم ، فقال عزّ وجلّ :
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] . وقال جلّ ثناؤه :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
[ فاطر : 8 ] . وقال :
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ