تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وأما الاثنتان اللتان جوزتهما اللغة في الكتاب والسنة ، وتراجع أهل المعرفة فيما بينهم بالتسمية ، فجوزتهما اللغة على حقيقة المعنى ، بأن سمتهما عقلا ، إذ كانا عن العقل ، لا عن غيره . فإحداهما : الفهم لإصابة المعنى . وهو البيان لكل ما سمع من أمور الدنيا والدين ، وكل ما مسّ أو ذاق أو شمّ ، فسماه الخلق عقلا ، وسموا فاعله عاقلا . وقد روي في التفسير لما قال اللّه تعالى لموسى عليه السلام :
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
[ طه : 13 ] . قيل : اعقل ما أقول لك . وهذه خصلة يشترك فيها أهل غريزة العقل ، التي خلقها اللّه فيهم ، من أهل الهدى ، وأهل الضلال ، ومن بعض أهل الكتاب عندهم من أهل الدين ، ويحتج عليها أهل كل إيمان وضلال ، في أمور الدنيا خاصة . والمطيع والعاصي ، وهو « فهم البيان » . وقال اللّه عزّ وجلّ فيما يعيب به أهل الكتاب ، فقال :
يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 75 ] . وقال عزّ وجلّ :
يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
[ البقرة : 146 ] . وقال :
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : 26 ] . وقال :
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
[ الأنعام : 114 ] . فالفهم والبيان يسمى عقلا ، لأنه عن العقل كان ، فيقول الرجل للرجل : أعقلت ما رأيت ، أو سمعت ؟ فيقول : نعم ، يعني : إني قد فهمت ، وتبينت . والعرب إنما سمت الفهم عقلا ؛ لأنّ ما فهمته فقد قيدته بعقلك وضبطته ، كما تقول : إنّ البعير قد عقل ، يعني أنك قيدت مناقه إلى فخذته ، وقالوا : اعتقل لسان فلان ، أي استمسك . ويقال : اعقل شاتك إذا حلبتها ، وهو أن يضع رجلها بين ناقيه وفخذه ، وقالوا : اعتقل رجل فلان ، إذا صارعه . والمعنى الثاني : البصيرة ، والمعرفة بتعظيم قدر الأشياء النافعة والضارة ، في الدنيا والآخرة ، ومنه العقل عن اللّه تعالى . فمن ذلك أن تعظم معرفته ، وتصير منه إلى تعظيم قدر اللّه تعالى ، وتقدر نعمه وإحسانه ، وتعظم قدر ثوابه وعقابه ، لتنال به النجاة من العقاب ، والظفر بالثواب . فإذا كان للّه معظما ، كان للّه محلا هائبا ، وإذا كان للّه مجلا هائبا ، كان منه مستحييا ، وإلى طاعته مسارعا ، ولمساخطه مجانبا . وإذا كان معظما لما ينال به النجاة من العقاب ، والظفر بالثواب ، عني بطلب العلم ، ورغب في الفهم والعقل ، عن اللّه
المسائل — صفحة 172 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور