وكذلك الحمق والجنون ، لا يسمى نكرة ، لأنه لو كان العقل هو المعرفة ، لسمي الجنون نكرة ، والحمق نكرة ، لأنّ النكرة ضد المعرفة ، والجهل ضد العلم ، فلما امتنع أهل العلم أن يسموا المجنون منكرا جاهلا ، ولا يسمون المنكر مجنونا ، والجاهل مجنونا ، صحّ ما قلناه .
ومما يدل على أنّ العقل هو الغريزة التي بها عرف الإنسان فأقر ، أو عرف فأنكر ، أو ظن فأنكر ، أنّ الإنكار فعل ، فكذلك ضده وهي المعرفة فعل ، فمنه فعل عن طبع يوجبه الطبع كالضر ، وكمعرفة الرجل أباه وأمه ونفسه ، والسماء والأرض ، وجميع الأشياء التي يعرفها برؤية ، ولم يعرفها باسم ، ولا تفصيل بين معانيها . أو لم تسمع إلى ما وصف اللّه تعالى به ملائكته إذا سألهم أن يخبروا بأسماء الأشياء ، فقالوا :
لا عِلْمَ لَنا
[ الحج : 8 ] .
فأمر آدم عليه السلام ، فأخبرهم بها ، لأنه علمه الأسماء ، فلم يعرف عاقل أسماء الأشياء إلا بالتعلم منه ، وهو طفل لما يسمع ويرى ، فعرف بعقله الأشياء وفصل بين معانيها .
فكل بالغ من الجن والإنس ، من الذكور والإناث ، ممن أمره اللّه تعالى ونهاه ، ووعده وتوعده بإرسال النّذر ، وإنزال الكتب ، وآثار آيات التدبير ، فحجة العقل لازمة له ، إذ أنعم اللّه سبحانه بالعقل عليه ، ومعرفة البيان
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
[ الأنفال : 42 ]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التوبة : 115 ] .
أو لا تراه يقول عزّ وجلّ :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
[ فصلت : 17 ] . يعني بينا لهم ما يعقلونه بعقولهم ، إن تدبروا ذلك . فقال عزّ وجلّ :
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] : فإنما خاطب اللّه العباد من قبل ألبابهم واحتج عليهم بما ركب فيهم من عقولهم
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] .
ومع هذا فإنه قد يخص بالخشية والتوفيق من يشاء من عباده ، ويختص لجواره من أحب من خلقه .
إلا أن أبين الأشياء عنه قبل الحب ، فإنه قال عزّ وجلّ :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ البقرة : 204 ] . وهذا قبل أن يخبره . وقال خالد بن صفوان « 1 » :
« لولا التبيين لكان المرء بهيمة مهملة ، أو صورة ممثلة » . وقال الشاعر :
وفي الصمت ستر العي يوما وإنما * صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في الأعلام 2 / 297 .