فإن رأوه بخلاف ذلك ، سموه على قدر الكثرة لخلاف ما يعقل العاقلون مجنونا ، أو لقلته أحمق ، أو مائقا « 1 » ، أو أرعن « 2 » .
فإن كان له وقت تزول فيه أفعال العقل عنه ، بصعق أو تقلب للأمور في القول والفعل ، سموه مجنونا في ذلك الوقت ، عاقلا إذا أفاق وتخلى عنه ما ألمّ به ، وعاد لهيئته الأولى ، من أن تظهر منه أفعال أهل العقل واللب بأسباب ذلك ، إذا سئل فأجاب ، أجاب بما يعقل ويطلب منافعه ، ويجتنب مضاره .
وربما يعرض لما يضره في العواقب ، وذلك نافع له في العاجل ، ضار له في الآخرة ، فيسمى عاقلا ، يعنون : أنّ له الغريزة التي هي ضد الحمق والجنون ، وأنه قد نقص عقله للعاقبة بقدر ما تعرّض لما ينفعه في العاجل ، بما يضره في العاقبة .
فالعقل غريزة ، جعلها اللّه عزّ وجلّ في الممتحنين من عباده ، أقام به على البالغين للحلم الحجة ، وأنه خاطبهم من جهة عقولهم ، ووعد وتوعد ، وأمر ونهى ، وحضّ وندب . فهو غريزة ، لا يعرف إلا بفعاله في القلب والجوارح ، لا يقدر أحد أن يصفه في نفسه ولا في غيره بغير أفعاله . ولا يقدر أن يصفه بجسمية ، ولا بطول ولا بعرض ، ولا طعم ولا شم ، ولا مجسّة « 3 » ولا لون ، ولا يعرف إلا بأفعاله .
وقال قوم من المتكلمين : هو صفوة الروح . أي خالص الروح .
واحتجوا باللغة ، فقالوا : لكل شيء خالصة والخالصة : اللبّ ، ولذلك سمي العقل لبّا ، وقال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ الرعد : 19 ] . يعني أولي العقول .
ولا نقول ذلك ، إذ لم نجد فيه كتابا مسطورا ، ولا حديثا مأثورا .
وقال قوم : هو نور وضعه اللّه طبعا وغريزة ، يبصر به ، ويعبر به . نور في القلب ، كالنور في العين ، وهو البصر . فالعقل غريزة يولد العبد بها ، ثم يزيد فيه معنى بعد معنى ، بالأسباب الدالة على المعقول .
وقد زعم قوم أنّ العقل معرفة خلقها اللّه ، ووضعها في العبد ، يزيد ويتسع بالعلم المكتسب الدال على المنافع والمضار .
والذي هو عندنا : أنه غريزة ، والمعرفة عنه تكون .
هامش
( 1 ) المائق : الأحمق في غباوة . و - : القليل الحزم والثبات ، و - السريع البكاء ، القليل الثبات ( ج ) موقى .
( 2 ) الأرعن : الأهوج في منطقة . و - الأحمق .
( 3 ) المجسة : الموضع الذي تجسه ( ج ) مجاس .