بسم اللّه الرحمن الرحيم عونك اللهم
باب ماهية « 1 » العقل وحقيقة معناه
قال أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي رحمة اللّه عليه .
سألت عن العقل : ما هو ؟ وإني أرجع إليك في اللغة والمعقول من الكتاب والسنة .
ويراجع العلماء بينهم بالتسمية ثلاثة معاني . أحدهما هو معناه لا معنى له غيره في الحقيقة ، والآخران اسمان له جوزتهما العرب ، إذ كانا عنه فعلا ، ولا يكونان إلا به ومنه ، وقد سماهما اللّه تعالى في كتابه ، وسمتهما العلماء عقلا .
فأما هو في المعنى والحقيقة لا غيره ، فهو « غريزة » وضعها اللّه سبحانه في أكثر خلقه ، لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض ، ولا اطلعوا عليها من أنفسهم برؤية ولا بحس ذوق ولا طعم . وإنما عرفهم اللّه إياه بالعقل منهم ، فبذلك العقل عرفوه ، وشهدوا عليه بالعقل الذي عرفوه به من أنفسهم ، بمعرفة ما ينفعهم ، ومعرفة ما يضرهم .
فمن عرف ما ينفعه مما يضره في أمر دنياه عرف أنّ اللّه تعالى قد منّ عليه بالعقل الذي سلبه أهل الجنون وأهل التيه ، وسلب أكثره الحمقى الذين قلت عقولهم .
وكذلك معرفة بعضهم من بعض بظاهر فعل الجوارح ، فيستدلوا على أنه عال له عقل ، إذا رأوا من أفعاله ما يدلهم على أنه قد عرف ما ينفعه من دنياه وما يضره ، وإذا رأوه طالبا عاملا فيما ينفعه من دنياه ، مجانبا لما يضره من دنياه ، سموا من كان كذلك عاقلا ، وشهدوا له أنّ له عقلا ، وأنه لا مجنون ، ولا تياه ولا أحمق .
هامش
( 1 ) الماهية : ماهية الشيء : حقيقته .