تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وبعد ، فإنّ منزلة الجوع وإن ولّدت الخشوع ، فإنّ الشبع يطردها ، فأين الخشوع في ذلك الوقت ، وإنما تحمد المنزلة ما كان لها زيادة ، ولكن يجعل الصوم طريقا وأصلا إلى الري والشبع يوم الحاجة والفقر إلى اللّه عزّ وجلّ ، وليس شيء أعظم مرتبة من الفقر إلى اللّه عزّ وجلّ ، لأنّ الفقراء قد علموا علم يقين غير شاكّين ، أنّ اللّه عزّ وجلّ قادر على أن يأمر أرديتهم التي على رقابهم أن تبلغ منهم من المكروه ما إن تعجز النار عن صفة ذلك لعجزت . فأفضل الجوع جوع المنع ، وجوع التكلف يفتضح بالشبع ، وإن كان في الصوم جوع فإنما معناه الترهب للّه عزّ وجلّ ، والسياحة لذلك ، وكذلك يروى عن اللّه عزّ وجلّ ، قال : الصوم لي وأنا أجزى به يدع ابن آدم طعامه وشرابه من أجلي . وهذا هو الترغيب ، فمن دعا الناس إلى الجوع فقد عصى اللّه ، وهو يعلم أنّ الجوع قاتل ، وقد فعل ذلك بخلق كثير من زوال العقل ، حتى تركوا الفرائض ، ومنهم من يعمد إلى سكين فيذبح نفسه ، ومنهم من يتغير طبعه ، ويسوء خلقه ، قال وهب بن منبه : « إذا صام العبد زاغ البصر ، وإذا أفطر على الحلوى رجع » . ومن دعا إلى الشبع فقد عصى اللّه ، ولم يحسن أن يطيعه ، لأنّ الشبع ثقل على البدن ، وصلابة عن وعيد اللّه في القلب ، وغلظ في الفهم ، وفتور في الأعضاء . فبان فضل الجوع للّاجئين إلى اللّه ، الذين استرهبتهم الخدمة ، بعظيم قدر المعرفة . واللّه تعالى مانع ومعط ، إلا أنهم يختارون ذلك ورعا وخوفا ، وتقية من عسر الحساب ، فنظروا إلى عناء ما وصل إليهم من الغذاء من مؤمن موفق ، أو هدية صالحة ممن يعتقد مكافأته ، لأنه مستعبد بأكل الحلال . وهذا ما وصفنا في الجوع ، وكله محتاج إلى ورع ، ليصفوا بذلك طيب المأكل والمشرب من موضع مطلق مباح بالإجماع ، لا خلاف فيه .

السؤال والتحري

وأما منزلة السؤال فقد اختلف الناس في ذلك ، فأكثر العلماء ، وفيهم الأوزاعي ، وقد روي عن سفيان الثوري ، وقد ذكر ابن المبارك ذلك ، وابن إدريس : « إذا مررت بأرض فلا تسل عنها » . وقد قال بعض هؤلاء : « اشتر وبع فيها » . وقال ابن المبارك ، وابن إدريس : « إن أردت المقام فاسأل » . وأبى ذلك طوائف من أهل الحديث والفقه ، وقالوا : لا تسل إلا أن يغلب على أرض فيها الغصوب والصوافي ، فإذا ستر فلا تسل . وأيضا إنّ أبا بكر الصّديق رضي اللّه