ثم الجوع بعد ذلك على معان قصد لها المتعبدون :
فمن المعاني : التأديب للنفس ، بالنقلة من حالة إلى حالة ، وقطع الإلف من دواعي الشبهات ، وهو مذهب البصريين . فمن أخذ بذلك فعنهم أخذه .
وجوع آخر : وهو إذا هاج من النفوس دواع تتحرك لها الطبائع من الشهوات ، منعوها بالعقوبات ما لها من الغذاء ، ومن حقوقها اللازمة من الغذاء والعشاء ، ومن مغرب إلى مغرب ، حتى أخرجوها من وقت إلى وقت ، ومنعوها عقوبة لها إن دعت إلى ما ليس لها من ذلك .
وذكروا أن غزوان الرقاشي نظر إلى ما لا يحل له ففقأ عينه ، وفتح الموصلي قال :
« لو نظرت عيني إلى شهوة لقلعتها » . وغير واحد من البصريين فعل ذلك .
فواصل وأدخل يوما في يوم عقوبة للنفس إذا دعت إلى الشهوات . وقد قال بعض الحكماء : « إذا دعتك نفسك إلى ما ليس لها ، فامنعها ما لها » .
وجوع آخر : صاحبه مفوض إلى عزّ وجلّ ، في حالة المنع والعطاء ، فإن أعطى حمد وشكر ، وإن منع صبر واحتسب . وكذا روي عن جماعة .
وقد كان أهل الصّفة على الحق من ذلك . وهكذا كان جوع أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، إذا أعطوا أكلوا وشكروا ، وإذا منعوا حمدوا وصبروا . فلم يجعلوا الجوع لهم سببا ولا طريقا ، ولا الشبع لهم منزلة . وذلك أن في الشبع غلظا وصلابة عند الوعد والوعيد ، وفي الجوع رقة واهتياجا للبر .
وقد زعمت طائفة أنه لا مرتبة أعظم من الجوع ، لأنه سيد أعمال البر ، وكذلك الجوارح ، لا تأخذ الصيد حتى تجوع وتهيج على الصيد . وكذلك الجوع عندهم . وهم طوائف من البصريين ، فمن أخذ بذلك ، وأدب نفسه به فعنهم أخذ . ولم نتبين في هذه المنزلة مرتبة يبين فيها الفضل ، من أحلّ أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « الطاعم الشاكر ، بمنزلة الجائع الصابر » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 2486 ) ، وابن ماجة في ( السنن الكبرى 1765 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 343 ) ، والحاكم في ( المستدرك 1 / 422 ، 4 / 136 ) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن 952 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 47 ، 151 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 6425 ) ، والألباني في ( السلسلة الصحيحة 655 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 78 ، 132 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 51 ) ، وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1512 ، 1513 ) .