ودخل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مكة ، وقيل له : أين تنزل ؟ فقال : ما ترك لنا عقيل من رباع ، يعني أنّ عقيلا ورث أبا طالب ، فهذا يدل على قول الشافعي .
وقد اتفقت الفرق ، فكان قولها واحدا : أنّ ما عمله السلطان مثل المساجد الجامعة ، والحصر فيها ، فالصلاة عليها عندهم جائزة ، وكذلك حفر الأنهار ، والبرك ، والمصانع ، والآبار التي لا يمنع منها العام والخاص ، والمشي على الجسور ، والعبور على القناطر ، وفي الظلال ، في الأسواق وفي الطرق التي يصلحها الأمراء .
وهذا كله ما وجدنا عالما ولا ناسكا ، ولا متعبدا ولا متصوفا ، يجتنب شيئا مما قلنا ، إلا طائفة غالطة ، قالت : إذا لم يعدل الإمام في الرعية ، ويقسم الفيء بالسوية ، ويعطي العطاء ، ويسوي بين الناس في الأرزاق ، ويكفي العامة ، ويفدي الأسير ، ويجاهد العدو ، ويقيم لهم الحج ، ولا يستأثر دونهم بالفيء كان عاصيا ، وكل من رضي بإمامته كان عاصيا .
فهذه فرقة خوارج ، مرقوا من الدين ، وخرجوا من حدّ الإسلام ، بل قد قال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « لا بدّ من إمارة ، برة أو فاجرة » .
وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « سيكون عليكم أمراء ، يعرفون وينكرون ، فمن أنكر فقد برئ ، ولكن من رضي وتابع » « 1 » .
وقال عليه السلام : « يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة ، فصلوا لوقتها ، ثم صلوا معهم تكون نافلة » « 2 » . وقد قيل للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقد ذكر أهل الجور من الأمراء : ألا ننابذهم ؟
فقال : « دعوهم ما صلوا للقبلة » « 3 » .
وأجمع أهل العلم على الكفّ عن الأمراء المسلمين ، والسمع والطاعة في العسر واليسر ، وألا ينازع الأمر أهله ، إلا في معصية اللّه تعالى ، ورسوله ، فلا طاعة لهم في
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( إمارة 62 ، 63 ) ، وأبو داود ( سنة 27 ) ، والترمذي ( فتن 78 ) ، وأحمد بن حنبل 6 / 295 ، 302 ، 305 ، 321 .
( 2 ) أخرجه مسلم ( مساجد 26 ، 238 ، 239 ، 244 ) ، ( إمارة 52 ، 63 ) ، وأبو داود ( صلاة 10 ) ، والترمذي ( فتن 72 ) ، والنسائي ( إمامة 18 ) ، ( بيعة 35 ، 36 ) ، والدارمي ( صلاة 25 ) ، وأحمد بن حنبل 1 / 384 ، 387 ، 409 ، 424 ، 428 ، 433 ، 456 ، 462 ؛ 2 / 95 ؛ 3 / 24 ، 28 ، 29 ، 92 ، 213 ، 321 ، 399 ، 445 ، 446 ؛ 4 / 243 ، 267 ؛ 5 / 111 ، 169 ، 231 ، 314 ، 315 ، 329 ، 384 ؛ 6 / 7 / 295 ، 302 ، 305 ، 321 ، 395 .
( 3 ) أخرجه مسلم ( إمارة 65 ، 66 ) ، والدارمي ( رقاق 78 ) ، وأحمد بن حنبل 6 / 24 .