أبي بكر أو الغلام . إذ قال لأبي بكر رضي اللّه عنه : إني رقيت في الجاهلية ، فأعطوني اليوم أجرتي ، فالرقي حرام ، والأجرة عليها فاسدة . والأكل من الفاسد حرام لفساده بالرقي ، الذي اكتسبه منها ، فكذلك في أكل الحرام إذا بان عنده ، فقدر ألا يقرّه في جوفه فعل .
وجميع أعمال البر من الصلاة والصلام ، والغزو والحج ، مع كثير من الطاعات ، لا تقوم مقام تصفية الخبز ، لأنّ زكاة الأعمال كلها بطيب المطعم ، ومن طيب المطعم تجني ثمرة دواعي الصدق ، والقليل من العمل مع الاجتهاد في السلامة من التخليط ، خير من كثير من العمل مع التخاليط ، وإنما محمود العواقب في السلامة .
فإذا صحت الكسرة حتى تسلم من آفات التباعات ، فلا تكون عليك فيها للّه تعالى تبعة ، ولا لأحد من المخلوقين عليك فيه منّة ، من تعب في بدن ، وعناء في الرّجل ، وكدّ في اليد على الدين .
وقد كان يقال في الكتب : من كانت هذه صفته في حياته فقد طاب حيّا وميتا ، وإنما يثمر الصدق حتى يعتقده القلب ، فينفي القلب باعتقاده دواعي السعة في الرخصة .
وعلى قدر التأديب للنفوس ساعدتهم ، فرفضوا الشهوات ، وجانبوا اللذات حيث لم يصلوا من سعة المكسب لما يشبعون به ، وأخمصوا البطون جوعا حتى يجدوا لها ما يصلحها من الحلال .
فإن لم يجدوه ، وصعب ذلك ، أخذوا من الشبهات بلغة لساعتهم لا ليومهم ، ومنعوا النفوس من أن تشبع من خبز الشعير ، إن قدروا على النفوس ، وإلا استعانوا بعظيم الخوف عند المساءلة والحساب .
الورع والجوع « 1 »
وهذا جوع ذهبت إليه طوائف من العلماء . إذا وجدوا الحلال شبعوا وآثروا . وإن كان جوعهم عدم ، لا تكلف فيه لفضيلة . وهذا مذهب سفيان الثوريّ ، وإبراهيم بن أدهم ، وشعيب بن حرب ، والمعافى بن عمران ، وحذيفة المرعشيّ ، وبشر بن الحارث الحافي . وقد ذكرت هذه المرتبة عن جماعة كثيرة لا يحصى عددهم .
هامش
( 1 ) قال القشيري : الجوع من صفات القوم ، وهو أحد أركان المجاهدة ، فإن أرباب السلوك قد تدرّجوا إلى اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل . ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع . ( للتوسع انظر الرسالة القشيرية ص 140 - 144 ) .