تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المسائل — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
والدخول في مرتبة أهل الصفوة من العمال . لأنا قد رأينا كثيرا من العلماء ليس معهم السعة في العلم ومعهم ضيق في التفقه ، في الدين ، وقلة رواية في الحديث ، إلا أنّ المرتبة في الترك جعلت لهم ذكرا عند الخاصة والعامة على فضلهم ، وأورثتهم هذه المنزلة شدة المباينة ، وعظيم الحذر من مواقعة الشبهات ، لما ركب في القلوب من الخشية ، وخوف السؤال عند العرض على الجبار تبارك وتعالى ، وحملهم الحذر على خوف معالجة الموت ؛ لأنّ أول ما يأكل التراب من ابن آدم لحمه ، فلا يكون ذلك في نباته إلا من طيب ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لا يقبل إلا طيبا . وقد روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تراه أشعث أغبر ، مطمعه من حرام ، ومشربه من حرام وملبسه من حرام فأنى يستجاب له » « 1 » . وقال لسعد : « اطلب مطعمك تستجب دعوتك » . وقيل لسعد : بم تستجاب دعوتك ؟ قال : بأني لا أدخل بطني إلا شيئا أعرفه . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : لو صلى وفي ثوبه سلك حرام ، لم تقبل منه . ورأى مثله كذلك عن ابن عمر : « ومن اشترى ثوبا بعشرة دراهم ، فيها درهم حرام لم تقبل له فيها صلاة » « 2 » . واللّه أعلم ما أراد ابن عمر وابن عباس ، إلا أنّ الحديث عن ابن عمر من وجه ضعيف ، وله تأويل ، يقول : ما دام الحرام في ثوبه يتخوف حتى يخرج من الحرام . إلا أنّ الإجماع منع من ذلك : فأجمعت الأمة كلها على أنّ الصلاة لا تعاد . وقد غلطت طائفة من القرّاء والنسّاك فقالوا : الصلاة باطلة بما لبس من الحرام فيها ، وبذلك قال أصناف من الخوارج ، وكذلك إذا كان المهر حراما ، فالنكاح والوطء فاسد . وهذا خروج من قول الأمة كلها ، ومن قال بهذا القول سمي بذلك عاصيا ، من أجل أنّ العقد في النكاح إنما تم بالكلام ، بقوله : تزوجت ، وبقول هذا : زوّجت على صداق مسمى ، أو على التفويض ، فيكون لها صداق المثل ، ويكون عليه الوزر بالصداق الحرام من الذهب والفضة ، ولا يكون الفرج حراما . وقد قال النبيّ عليه السلام :
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( زكاة 64 ، 65 ) ، والدارمي ( رقاق 9 ) ، وأحمد بن حنبل 2 / 328 ، والترمذي ( تفسير سورة 2 / 36 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل 2 / 98 .
المسائل — صفحة 157 | الحارث المحاسبي / خليل عمران المنصور