فحرك قلوب السامعين للتلاوة والخوف من اللّه عزّ وجلّ ، أن يتقدموا على أن يقولوا : حراما وحلالا إلا بعلم . وقد سئل عينية بن فرقد عن شيء ، فكان لا يقول :
حلال ولا حرام . لكن يقول : يستحبون ويكرهون . وقد روى إبراهيم بن أدهم : « كانوا يكرهون أشياء ، ولا يقولون حراما » . وسئل جابر بن زيد : ما تقول في لحوم الحمر الأهلية هل نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها ؟ فقال : « قد كان يقول ذلك عندنا الحكم الغفاري ، وأبي ذلك البحر ، يعني ابن عباس ، ثم قرأ الآية :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[ الأنعام : 145 ] .
وكان الشعبي ، ومجاهد ، يسلكان مذهب ابن عباس . وقد أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجبنة ، مما صنع في فارس ، فقال : « اقطع بالسكين ، واذكر اسم اللّه ، وكل » « 1 » .
وكذلك روي عن ابن عباس ، وابن عمر ، وسلمان ، والحسن ، وإبراهيم في الجبن ، فقالوا : « كل » . وقال الحسن : « ولا تشك » .
الورع في جوائز السلطان
ثم اختلف الناس في جوائز السلطان .
فكرهت ذلك طائفة ، ولم تر طائفة بذلك بأسا ، وفرقة قالت : حلال . وفرقة قالت :
شبهة . وفرقة قالت : حرام . وهذه الفرق مخالفة للسنة ، وأكثر العلماء نافون لهم لجهلهم .
فأما الذين قالوا بالكراهية فالذي يخالط الفيء والغنيمة من الظلم والعدوان في الجبايات « 2 » والقبالات الرحاب ، وأخذ الرشا ، والجور والظلم ، وإصراف المال في غير حقوقه ، وأخذه من غير وجهه .
وأما الذين قالوا : لا بأس به فإنهم تأولوا قول عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه بأنّ ما يدخل في بيت ما لهم من الحلال أكثر من الحرام . وأخذ ابن عمر رضي اللّه عنه من الحجاج ، وعبد الملك بن مروان وسلمة بن الأكوع « 3 » ، وأنس بن
هامش
( 1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 5 / 43 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 8 / 291 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 40991 ) .
( 2 ) جبى المال ونحوه جباية : جمعه ، و - الضرائب جبيا وجباية : استوفاها .
( 3 ) سلمة بن عمرو بن سنان الأكوع ( توفي 74 ه - 693 م ) الأسلمي ، صحابي ، من الذين بايعوا تحت الشجرة . غزا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سبع غزوات . منها الحديبية وخيبر وحنين . وكان شجاعا بطلا -