وفي المعونة أخبار كثيرة : والتاركون لها داخلون في الفضيلة « 1 » : وقد قال الضحاك : « أدركناهم ما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع » وقال الحسن : الورع أفضل العبادة » . وقال : « لا دين إلا الورع » ويروى عن اللّه عزّ وجلّ قوله : ( فأما الورعون فأستحيي أن أعذبهم ) . فأول بداية الورع محاسبة النفس عند خواطر القلوب ، والنفي لدواعي الجهالات . والوقوف عند الشبهات ، والاستبراء بالتقوى ، والاحتياط عند اختلاف العلماء .
وقد غلطت طائفة تأولت قول ابن مسعود في الأكل من اتجار المرابي فقال : « فلك المهنا ، وعليه الإثم » . وهذا حديث رواه الشيباني عن التميمي ، عن الحارث بن سويد ، وجماعة من أصحاب الحديث . منهم عبد الرحمن بن مهدي - وهو يضعف هذا الحديث - وأحمد بن حنبل .
وقد تأوّلت طائفة قول ابن مسعود على أنه لم تجر شهادة السائل ، أو يكون عبد اللّه علم من الرجل الذي سأله ، فقال ابن مسعود : « كل من حلال ماله » . لأنه لو تاب لأمسك ما كان له من الحلال ورفض ما سواه . قال اللّه عزّ وجلّ في الربا « 2 » :
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ
[ البقرة : 279 ] .
وقد ذهبت طائفة من أهل العلم وغيرهم إلى أنّ ما لم يكن حراما في التنزيل ، أو نهي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو في الاطلاق والإباحة ، حتى تكون آية تمنع ، أو سنة مأثورة يجب استعمالها ، أو اتفاق بين أهل الصلاة ، وذلك أنهم قالوا بإطلاق الآية :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[ الأنعام : 145 ] .
وكان ابن عبّاس « 3 » رضي اللّه عنه ، ومن سلك مسلكه يذهبون إلى الظاهر . وقد
هامش
( 1 ) الفضيلة : خلاف النقيصة والرزيلة . و - : الدرجة الرفيعة في حسن الخلق ، وفضيلة الشيء مزيته أو وظيفته التي قصدت منه . ( ج ) فضائل .
( 2 ) الرّبا : الزيادة والفضل . و - ( في علم الاقتصاد ) : المبلغ الذي يؤديه المقترض زيادة على ما اقترض تبعا لشروط خاصة . والنسبة إليه ربوي .
( 3 ) هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ( 3 ق ه - 68 ه - 619 - 687 م ) أبو العباس حبر الأمة ، الصحابي الجليل . ولد بمكة ، ونشأ في بدء عصر النبوة ، فلازم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة . وشهد مع عليّ الجمل وصفين . وكف بصره في آخر عمره ، فسكن الطائف ، وتوفي بها . له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا . الأعلام 4 / 95 ، والإصابة ت 4772 ، وصفة الصفوة 1 / 314 ، وحلية 1 / 314 .