محيصة أن يأكل من كسب الحجام . وقالت طائفة : كسب الحجام حلال ، واحتجوا بابن عباس ، وأنس بن مالك ، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أعطى الحجام ، ولو كان حراما لم يعطه . وقد ذهبت طائفة إلى تأويل حديث محيصة بأن المكاسب بعضها أطيب من بعض وأعلى ، وفيها أدنى من بعض ، والمستنصح إذا فزع إلى الناصح أجابه بالنصيحة ، فأمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم محيصة بالتنزه عنه حين وجده ، فقال : « أما أنت فلا تأكل ، ولكن أطعمه الرقيق » « 1 » ، ولم يكن يبيح لهم إطعام الرقيق من حرام .
معنى التعاون على الإثم والعدوان
وقد تنازعت طوائف من العلماء في تأويل قوله تعالى :
وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
[ المائدة : 2 ] .
فقال بعضهم : سقي الماء للعاصي ، وإرشاده إلى الطريق من المعونة . وقد روي عن سفيان الثوريّ : إذا سألك الطريق إلى المسجد فلا تدله ، لعله يغتال رجلا فيما بينه وبين المسلمين ، أو يظلمه » .
وقالت طائفة : المعونة عليّ حرام بعينه .
وقالت طائفة : بيع السكين من السلطان ، والخشبة ليصلب عليها رجل مسلم ، والسوط « 2 » من الجلاد ، والصليب من النصارى ، هذا كله حرام .
وذهبت طائفة إلى أنّ ذلك مباح ، والإثم على الفاعل ، وهذه الطائفة مخالفة في التأويل ؛ لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لعن في الخمر عشرة : عاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه وشاربها وآكل ثمنها ، وحاضر مجلسها وقد أحرق سعد كرمه وقال : « بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمر » .
وكره إبراهيم أن يعين النساء على فتل الخيوط للسبحة « 3 » ، لأنه كان لا يرى للنساء إلا إشارة عقد الأصابع بالأنامل . وأبو قتادة في الصيد لم يناوله أصحابه السوط ، كراهية المعونة له وهم حرم ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ نهى عن قتل الصيد وهم حرم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( بيوع 47 ) ، وأحمد بن حنبل 5 / 435 ، 436 .
( 2 ) السّوط : ما يضرب بخ من جلد مضفور ونحوه ( ج ) سياط وأسواط .
( 3 ) السّبحة : خرزات منظومة في خيط للتسبيح ( ج ) سبح وتسمى المسبحة .