وأكثر العلماء والأغلب في جميع الأمصار ، يرون الغزو والحج والشراء والبيع ، والمعاملات والوكالات والصنائع ماضية أبدا مذ كان أول الإسلام ، إلى آخر عصابة يقاتلون الدّجال ، لا يضر المتقي الحافظ لدينه جور جائر ، ولا ظلم ظالم ، إذا كان فقيها متخلصا في تجارته وصنعته ، يكابد أن يسلم من أكل الشبهة ، وغير ذلك يجاهده بالنفقة .
والمكاسب لا تفسد بجور الأئمة ، إنما تفسد بترك استعمال الفقه والعلم . وقد تقدم في صدر هذه الأمة من الفتن والاختلاف والتفرق ، والناس يشترون ويبيعون ، وقد قتل أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا ، والناس يتجرون في تجاراتهم بالمدينة وغيرها ، وفتنة الجمل وصفين ، وابن الزبير ، والعراق والجماجم بالبصرة والكوفة ، وفي جميع العراق وخارجها ، ونواحي الأطراف ، والناس يشترون ويبيعون .
وبعد فتنة محمد الأمين والمأمون التي قامت بالشام ثماني عشرة سنة ، وبالعراق أربع سنين ، وفي سائر البلاد أيضا ، والفقهاء والعلماء في كل بلد والمحدثون يومئذ متوافرون والناس يبيعون ويشترون لا ينكر ذلك أحد ممن علمناه إلا رجلين هما عند الأمة مخبطين : عبد اللّه بن يزيد ، وعبدك ، الصوفيين ، فإنهما أفسدا وحرما الكسب ، وأبت الأمة إلا خلاف ما قالا .
ثم اختلف الناس في الميراث ، يكون الرجل يرث المال ، وأبوه ظالم أو جائر في ولايته ، أو خالط ماله غضب ، أو مزج حلالا بحرام .
فقالت طائفة من المتفقهة : الميراث له حلال ، والوزر على من اكتسب المال ، وقد طاب هذا المال لوراثة .
وقالت طائفة : يحتاط في هذا المال ، فإن كان يعلم أنّ أباه كان له مال قبل أن يخالط ماله الظلم أخرج منه ما يعلم أنه قد زاد في مال أبيه .
وقالت طائفة من القراء والمتصوفة انتحلت رأي سفيان الثوري ، وجعلته دينا :
الخروج من كله احتياطا لدينه ، وقد روى غير واحد أنّ أباه قد ظلم ، فعرف أولئك المظلومين ، فأدى إليهم مظالمهم ، وساعدهم على ذلك أهل الفقه ، وهو قول الأوزاعي ، ومالك بن أنس « 1 » ، وبه أفتى أبو إسحق الفزاري ، وعبد اللّه بن إدريس .
هامش
( 1 ) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ( 93 - 179 ه - 712 - 795 م ) أبو عبد اللّه ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، وإليه تنسب المالكية . مولده ووفاته في المدينة . كان صلبا في دينه ، بعيدا عن الأمراء والملوك ، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي -