وقال عليه السلام لأبي ذر « 1 » حيث قال له : كيف أنت إذا رأيت حجارة الزيت قد غرقت في الدم « اصبر حتى تلحق بمن أنت معه » « 2 » . والأخبار في هذا كثيرة .
وأما الأكياس فإنهم أخذوا القوت قصدا ، ورفضوا ما سوى ذلك ، وقد كان الأوزاعي يقول : « اشتبهت الأمور ، فليس نأخذ غير القوت » وقال الحسن : « إن المكاسب قد فسدت ، خذوا منها القوت » . وقال أبو وائل مسروق : « إنّ أهل بيت بالكوفة يوجد على مائدتهم رغيف من حلال ، لأهل بيت غرباء » ويقال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ ليحجب الدعاء بالطعمة ، أو بالكسرة يأكلها المرء من غير حلها . وفي إجماعهم : من طاب مطعمه صفت أعماله ، واستجيبت دعوته . ثم قصدت طوائف من القراء والمتصوفة والنساك إلى مذاهب في الكسب :
فطائفة اختارت المباح من الجبال والأودية والرمال ، من ورق الأثل « 3 » ، ولقط البذر ، والحشائش التي لها ثمن إذا ادخرت ، فجمعوا منها لصيفهم في شتائهم .
وطائفة اختارت ما ألقته الرياح ، وما ظهر من الحشيش والكلأ على وجه الأرض ، من كلأ الصحراء ، إذا اشتد بهم الجوع .
وطائفة اختارت المنبوذ المطروح الملقى ، واحتجوا لذلك بما رواه هشام عن قتادة ، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يهوى إلى التمرة الملقاة ، فلو لا أنه يخشى أن تكون من تمر الصدقة
هامش
- 433 ؛ 9 / 60 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 6 / 145 ؛ 8 / 159 ؛ 10 / 131 ) ، والطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 118 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 4 / 146 ) ، والساعاتي في ( منحة المعبود 2506 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 5 / 49 ؛ 13 / 5 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 3672 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 44 ، 45 ) ، والحميدي في ( المسند 1195 ) ، وابن أبي عاصم في ( السنة 2 / 350 ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد 2 / 306 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 30818 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 11 / 242 ؛ 12 / 162 ؛ 15 / 93 ) .
( 1 ) أبو ذرّ الغفاري ( توفي 32 ه - 652 م ) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد من بني غفار صحابي ، من كبارهم ، قديم الإسلام . يضرب به المثل في الصدق . وهو أول من حيّا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتحية الإسلام . هاجر بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى بادية الشام ، فأقام إلى أن توفي أو بكر وعمر وولي عثمان . فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم ، فاضطرب هؤلاء فشكاه معاوية إلى عثمان فأمره هذا بالرحلة إلى الربذة فسكنها إلى أن مات .
الأعلام 2 / 140 ، وطبقات ابن سعد 4 / 161 - 175 ، والإصابة 7 / 60 ، وحلية 1 / 156 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في السنن ( الفتن ب 2 ) ، والحاكم في ( المستدرك 4 / 424 ) .
( 3 ) الأثل : جنس أشجار وجنبات من فصيلة الأثليات . تستعمل أخشابه في صناعة السفن وبعض الأدوات . وهو يعرف في بلاد الشام بالطرفاء . وفي مصر بالعبل واحدته : أثلة ( ج ) أثلات .