وذهبت طائفة من أهل الفقه إلى أنه لا بأس بمعاونتهم ، إذا لم يكن ظلما بعينه ، وذلك أنهم تأولوا الحديث على معنى : من أعانهم على ظلمهم ، فمن لم يعنهم على الظلم ، وأعانهم على سوى ذلك ، فهو مطلق حلال عندهم .
وذهبت طائفة إلى ترك المعونة لهم ، والمباينة لهم ، واحتجوا بأخبار كثيرة في المباينة :
من ذلك حديث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لعنت الخمر ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وعاصرها ومعتصرها ، وآكل ثمنها » « 1 » .
واحتجوا بأنّ سعدا أحرق كرمه ، وقال : « بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمرة » .
ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الثلاثة الذين خلفوا ، عن كلامهم ، وعن مبايعتهم .
وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ، ولم يكن التخلف منهم على نفاق ، وإنما كان ذنبا ، حتى أنزل اللّه جلّ وعزّ توبتهم .
وقالت فرقة : المعونة لهم حرام في كل مكان لهم فيه منفعة ، وهو مذهب طائفة من المتصوفة معهم جهل كبير وغلظة .
وقالت طائفة : بيع السلاح والكراع « 2 » منهم معصية ، وما سوى ذلك فترك المعونة لهم وترك متابعتهم أفضل . وهم طوائف النساك والقراء ، ممن ينتحل مذهب أبي عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوريّ ، والفضيل بن عيّاض « 3 » والمعافى بن عمران « 4 » ، ووكيع بن الجراح « 5 » وأبي إسحق الفزاري ، وعيسى بن يوسف ، ويوسف بن أسباط ، وابن المبارك ، وإبراهيم بن أدهم ، وعباد بن عتبة الخواص ومخلد بن الحسين ، وعليّ بن بكّار ،
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 113 ) .
( 2 ) الكراع من الإنسان : ما دون الركبة إلى الكعب . و - من الغنم والبقر : مستدق الساق العاري من اللحم ( يذكر ويؤنث ) ( ج ) أكرع وأكارع .
( 3 ) هو الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي ( 105 - 187 ه - 723 - 803 م ) أبو علي ، شيخ الحرم المكي ، من أكابر العباد الصلحاء . كان ثقة في الحديث ، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي ولد في سمرقند ، ونشأ بأبيورد ، ودخل الكوفة وهو كبير ، وأصله منها . ثم سكن مكة وتوفي بها . الأعلام 5 / 153 ، وطبقات الصوفية 6 / 14 ، وتذكرة 1 / 225 ، وتهذيب 8 / 294 ، وحلية 8 / 84 .
( 4 ) انظر ترجمته في الأعلام 7 / 260 ، وتذكرة 1 / 264 .
( 5 ) انظر ترجمته في الأعلام 8 / 117 ، وتذكرة 1 / 282 ، وحلية 8 / 368 ، ومفتاح السعادة 2 / 317 .