مذاهب السلف في الورع
سألت أبا جعفر عن الورع ، فقال : فيه ثلاثة أقاويل :
أحدهما : ترك ما حاك في الصدور ، من جميع الحكايات والقول .
والثاني : الوقوف عند كل شبهة ، إذا لم يتبين فيها الحلال من الحرام .
والقول الثالث : ما رواه عطية السعدي ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا تكون حقيقة من المتقين حتى تدع ما لا بأس به ، مخافة ما به البأس » « 1 » .
وهذه الثلاثة الأقاويل قد قصد إليها ، وإلى معانيها أصناف من العلماء ، وأهل الحديث ، والقراء ، والمتصوفة .
فأما ترك ما حاك في الصدور ، فهو مذهب أبي عبد اللّه سفيان بن سعيد بن مسروق بن منذر الثوريّ « 2 » ، وإبراهيم بن أدهم « 3 » ، ووهيب بن الورد « 4 » ، ومحمد بن يوسف الأصبهاني ، ويوسف بن أسباط ، وعبد اللّه بن الوليد المدني ، وشعيب بن حرب :
والقول الثاني يذهب إليه جماعة من أصحاب الحديث ، وناس صلحاء ممن سكن الثغر ، منهم : مخلد بن الحسين ، وعليّ بن بكّار . وقد رواه عن الأوزاعيّ . ويقال : إنه فتيا ابن المبارك بالمصيصة « 5 » ، ومذهب طوائف من أهل البصرة ، وقد ذكر ذلك عن
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( زهد 24 ) ، والترمذي ( قيامة 19 ) .
( 2 ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) من بني ثور بن عبد مناة ، من مضر ، أبو عبد اللّه ، أمير المؤمنين في الحديث . كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى . ولد ونشأ في الكوفة ، وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى ، وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة ، ثم طلبه المهدي فتوارى . وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا وله من الكتب « الجامع الكبير والصغير » وكتاب في « الفرائض » . الأعلام 3 / 104 - 105 ، وابن خلكان 1 / 210 ، وطبقات ابن سعد 6 / 257 ، وتهذيب 4 / 111 - 115 .
( 3 ) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور ، التميمي البلخي أبو إسحق ( توفي 161 ه - 778 م ) زاهد مشهور تفقه ورحل إلى بغداد ، وجال في العراق والشام والحجاز . وأخذ عن كثير من علماء الأقطار الثلاثة ، مات ودفن في سوفنن . الأعلام 1 / 31 ، وتهذيب ابن عساكر 2 / 167 ، والبداية والنهاية 10 / 135 ، وحلية 7 / 367 ثم 8 / 3 .
( 4 ) هو وهيب بن الورد بن أبي الورد المخزومي ( توفي 153 ه - 770 م ) بالولاء ، أبو أمية ، من العبّاد الحكماء . من أهل مكة ، ووفاته بها . كان من أقران إبراهيم بن أدهم . الأعلام 8 / 126 ، وصفة الصفوة 2 / 123 ، وحلية 8 / 140 ، وتهذيب 11 / 170 ، ومرآة الجنان 1 / 323 ، وطبقات الصوفية 44 .
( 5 ) المصيصة : مدينة على شاطىء جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس . -