لرضوا بعد أن تكون الدنيا عليهم موسعة ، إلا من شاء اللّه منهم . فإنا للّه وإنا إليه راجعون .
فإذا رأوا رجلا ترك ما أقبلوا عليه من هذه الفنون ، توجوه وأكرموه ، وهذا فعل العقلاء منهم ، وأما الحمقاء ، فإنهم يزدرونه ويؤنبونه .
وإذا مدحه أهل العقل منهم ، ورفعوه قدره ، أحبّ الثناء ، فهلك وهو لا يعلم .
فكن حذرا متيقظا ، في جميع أمورك ، واستعن باللّه في طلب السلامة ، واسأل اللّه العافية من فتنته وبليته .
وقال : ثلاث خلال تلزمها قلبك :
الخلة الأولى ، اليقين بأنّ المقدور يأتيك ، وإن لم يقدر لا يأتي ، فمن أيقن بذلك أورث اللّه جلّ وعزّ قلبه خصلتين :
إحداهما : أن يأمن قلبه من أن يفوته ما قدر له .
والثانية : أن ييأس من أن ينال ما لم يقدر له .
فمن لزم قلبه الأمن ألا يفوته رزقه ، والإياس من أن ينال ما لم يقدر له ، قل همه ، وغمه ، وخضوعه للخلق ، والمداراة لهم ، لأن ينال بهم منفعة ، فهذا الغنى باللّه عزّ وجلّ .
والخلة الثانية : ذكر اطلاع اللّه عزّ وجلّ على ضميره وجوارحه ، فإن ذلك يورث له الحياء .
فإذا عرض له شيء مما يكره اللّه عزّ وجلّ ، ذكر النظر ، وخاف المقت ، إن ركن إلى ذلك .
وإن عرض له ما فيه النقص - وإن لم يكن محرما - استحيى من اللّه تعالى أن يراه مقصرا عما يحب مولاه ، مع ما قد استودعه من العلم ، وعرفه من عظيم قدره ، وكبرياء جلاله ، جلّ وعزّ .
وجملة ذلك أن تغدوا إلى سوقك ، وأن تكون في جميع أحوالك ، في سوق كنت أو في غيرها ، فتلزم قلبك اليقين والحذر ، وتذكر الاطلاع بالنظر .
فباليقين تستريح ، وبالحذر تتيقظ ، وبذكر النظر تستحيي من الناظر الأعلى ، تبارك وتعالى .
المسائل — صفحة 140
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٤٠